ولتأكيد هذا الأمر جاءت اختيارات أبي تمام في حماسته موائمة لوعيه النقدي القائم على فكرة التوالد والتناسل ؛ الهضم المعيار الفني لا نسخه ، وما بينهما فرق كبير تتحدد على هديه ركائز الإبداع وتمظهرات الكتابة .
وفي تصورنا أن أبا تمام قد تدرج في وعيه ليصل إلى كون المنجزات الفنية والشعرية والحضارية ــ قديمها وحديثها ــ تشكل متتابعة إبداعية تتناسل منها جل الظواهر الفنية ليبقى الماضي في ذهن الحاضر وإن اختلفا ظاهرياً . ومما يؤكد هذا الأمر أن أبا تمام قد تربى على الشفاهية ، وعياً وفكراً وثقافة وإبداعاً وتلقياً .
وإذا كنا ــ ونحن نبتعد عن عصر أبي تمام ــ نعاني من سطوة الشفاهية في منظومتنا المعرفية والفكرية ، وفي تشكيل وعينا ومشاريعنا الحضارية ، نستطيع أن نتعرف سطوة الشفاهية في عصر الشاعر ووعيه المتشكل على وفق أنساق عصره ، التي كانت تطالب الشاعر بحفظ آلاف الأبيات الشعرية ، ومن ثم نسيانها لتحقيق النسق القولي الخاص به من دون ترديد لما حفظه بعد أن أضحت جزءاً من مخيلته وذاكرته ووعيه بالعالم الذي لا يمكن إدراكه إلا من خلال اللغة ؛ الجدلية العلاقة بينها وبين الفكر ، إلا أن سطوة الشفاهية لم تمنع أبا تمام من إيمانه بضرورة نمو الكتابية من داخل الشفاهية بوصفها ضرورة تاريخية ؛ لتطور الوعي بحسبان أن الكتابية تضيء الوعي الحضاري ، وتمثل مرحلة متقدمة من
![الحماسة ذات الحواشي [ ج ١ ] الحماسة ذات الحواشي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4716_Hamasah-That-Hawashi-part01%2Fimages%2Fcover-big.jpg&w=640&q=75)
