الفتوى والشهادة وفي الأمور الدنيوية .
والحق : وقوع التعبد به ؛ لوجوه :
الأول : قوله تعالى : ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ ) (١) أوجب الحذر بإخبار الطائفة ، وهي عدد لا يفيد قولهم العلم، ووجوب الحذر يستلزم وجوب العمل به .
أما وجوب الحذر ؛ فلأنه أوجبه عند إنذار الطائفة لقوله : وَلَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (٢) ، وكلمة لعل للترجي ، وهو محال في حقه تعالى ، وإذا تعذر حمله على ظاهره حمل على المجاز وهو الطلب ؛ لأن المترجي طالب ، فإذا كان الطلب لازما للترجي وجب حمل اللفظ على الطلب ، وطلب الله هو الأمر، فيكون قد أمر بالحذر .
والإنذار الإخبار ؛ لأنه عبارة عن الخبر المخوف ، والخبر داخل فيه ، فقد أوجب الحذر عند إخبار الطائفة ، وهي عدد لا يفيد قولهم العلم ؛ لأن كل ثلاثة فرقة ، وقد أوجب على كل فرقة خروج طائفة منها ، والطائفة من الثلاثة واحد أو اثنان ، وقولهما لا يفيد العلم .
وبيان وجوب العمل : أن الراوي إذا روى لقوم خيراً يقتضي المنع من فعل فعلوه ، فإن وجب تركه ، فالمطلوب، ويلزم من وجوب العمل به في هذه الصورة العمل به مطلقاً ؛ لعدم القائل بالفرق. وإن لم يجب لم يكن الحذر واجباً ، وهو ينافي مقتضى الآية .
فإن قيل : لا تسلم أنه أوجب الحذر عند إنذار الطائفة ، وقوله : لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ لا يمكن حمله على ظاهره ، ونمنع حمله على ذلك
المجاز ؛ الجواز حمله على غيره .
سلمنا وجوب الحذر عند الإنذار، لكن تمنع أن الإنذار هو الإخبار، فإنه من جنس التخويف ، فتحمل الآية على التخويف الحاصل من الفتوى ، بل هو أولى ؛ لأنه أوجب التفقه لأجل الإنذار، والتفقه إنما يحتاج إليه في الفتوى لا الرواية .
لا يقال : يتعذر الحمل على الفتوى ، وإلا لاختص لفظ القوم بغير المجتهد ، فإن المجتهد ليس له العمل بفتوى المجتهد ، لكن الآية مطلقة في وجوب إنذار القوم ، سواء كانوا مجتهدين أو لا .
أما لو حملناه على رواية الخبر لا يلزمنا ذلك ؛ لأنه قد يروى للمجتهد وغيره، ولأن من شرب النبيذ فروى له إنسان ما يدل على أن شاربه في النار فقد أخبره بمخوف، وهو معنى الإنذار، فصح وقوعه على الرواية. ثم إن لم يقع على الفتوى فالمطلوب من أن (١) المراد بالإنذار الرواية لا الفتوى ، وإن وقع كان حقيقة في القدر المشترك ، وهو الخبر المخوف ؛ دفعاً للاشتراك ، فيكون متناولاً للفتوى والرواية معاً ، وذلك لا يضرنا .
لأنا نقول : كما يلزم من حمل الإنذار على الفتوى تخصيص القوم بغير المجتهد ، يلزم من حمله على الرواية تخصيص لفظ القوم بالمجتهد ؛ للإجماع على منع العامي من الاستدلال بالحديث ، فالتقييد لازم عليكم كما لزمنا ، والترجيح معنا ؛ لأن غير المجتهد أكثر من المجتهد ، وإذا قل التقييد كان أولى .
والإنذار إذا كان مشتركاً بين الفتوى والرواية كفى في الامتثال الإتيان
(۱) في (ح) : «فكان بدل فالمطلوب من أن .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٥ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4712_Nahayah-Wosoul-part05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
