أَ يَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ اَلْعِزَّةَ فَإِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً١ أَيَطْلُبُونَ بِمُوَالاةِ الكَفَرَةِ القُوَّةَ والمَنَعَةَ و الغَلَبَةَ؟! فإِنَّ العِزَّةَ بِأَجمَعِها - أَى جَميع أَفرادِهَا - للّٰهِ سُبحَانَهُ و من عِنْدهِ «يُعِزُّ مَن يَشاءُ ويُذِلُّ مَن يَشاءُ».
والفَاءُ فِى «فَإِنَّ العِزَّةَ» دَخَلَتْ لِمَا فِى الكَلامِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ؛ إِذ المَعْنَى إِن تَبْتَغُوا العِزَّةَ مِنْهم فَإِنَّ العِزَّةَ للّٰهِ، ونَصْبُ «جَمِيعاً» عَلَى الحالِ.
وَ لاٰ يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ اَلْعِزَّةَ لِلّٰهِ جَمِيعاً٢ أَى لا تَحْزَنْ بقَوْلِهِم من تَكْذِيبَكَ ومُعَانَدَتِكَ وَتَشَاوُرِهِمْ فى تَدْبِيرِ هَلاكِكَ و إِبْطَالِ أَمرِكَ بِعِزَّتِهمْ وغَلَبَتِهمْ، إنَّ الغَلَبَةَ و القَهْرَ و القُوَّةَ بأَجْمَعِهَا للّٰهِ عَزَّ وَجَلَّ ليسَ لَهُمْ مِنهَا شَىْءٌ، فهو يَعْصِمُكَ منهم ويَقْهَرهم ويَنْصُرُكَ عليهم.
وقُرِئَ بفَتْحِ «أَنَّ»٣ على صَرِيحِ التَّعْلِيلِ، أَى لأَنَّ العِزَّةَ للّٰهِ جَميعاً٤.
مَنْ كٰانَ يُرِيدُ اَلْعِزَّةَ فَلِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ جَمِيعاً٥ أَى مَن كانَ يَطْلُبُ العِزَّةَ فَليَطْلُبها مِن اللّٰهِ لا من غَيْرِهِ، فإِنَّ العِزَّة كُلَّها لَهُ، فاسْتُغْنِى بالدَّلِيلِ عن ذِكرِ المَدْلُولِ لِدَلالَتِهِ عَلَيْهِ، لأَنَّ الشَّىْءَ لا يُطْلَبُ إِلَّا عِنْدَ صَاحِبِهِ ومالِكِهِ.
يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنٰا إِلَى اَلْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ اَلْأَعَزُّ مِنْهَا اَلْأَذَلَّ وَ لِلّٰهِ اَلْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ٦ أَى لَيُخرِجَنَّ العَزِيزُ من المَدِينَةِ الذَّلِيلَ، أَو لَيُخرِجَنَّ أَعَزُّ القَوْمِ أَذَلَّهُم.
رُوِىَ أَنَّ رَسولَ اللّٰه صلى الله عليه و آله حِينَ لَقِىَ بنى المُصْطَلَق عَلَى المُرَيْسِيعِ - وهُوَ مَاءٌ لَهُم - و هَزَمَهُم وقَتَلَ مِنْهُم، ازدَحَمَ عَلَى الماءِ جَهْجَاهُ بنُ سَعِيدٍ - أَجيرٌ لِعُمَر يَقُودُ فَرَسَهُ - وسِنانُ الجُهَنِىُّ - حَلِيفُ عَبد اللّٰهِ
________________________________________
(١) النساء: ١٣٩.
(٢) يونس: ٦٥.
(٣) وبها قرأ أبو حيوة، انظر الكشّاف ٣٥٧:٢، والبحر المحيط ١٧٦:٥.
(٤) فى «ع»: بأجمعها.
(٥) فاطر: ١٠.
(٦) المنافقون: ٨.
![الطّراز الأوّل [ ج ١٠ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4696_Taraz-Awwal-part10%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
