وإرادتهم وجه اللّه عزّوجل وإنزال اللّه سبحانه لأجل هذا لهم تلك الآيات : وهذه منقبة لها عند اللّه محلّ كريم ، وجودهم بالطعام مع شدّة الحاجة إليه أمر عظيم ، ولهذا أنزل اللّه فيهم قرآناً وأولاهم من لدنه إحساناً ، ونشر لهم بين العالمين ديواناً ، وعوّضهم عمّا بذلوا جناناً ؛ بحيث تتابع لهم وعده سبحانه فيها بفنون الألطاف وضروب الإنعام والإسعاف(١) . انتهى .
والفضل ما شهدت به الأعداء ، ألا ترى كيف أجهر اللّه تعالى بأنّ فعلهم كان خالصاً للّه مخلصاً من الرياء ، وطلب الجزاء في قوله : «لاَ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلاَ شُكُوراً»(٢) ، مع أنّهم لم يتكلّموا بذلك ، بل علم اللّه ما في قلوبهم ، فأثنى به عليهم ؛ ليظهر على الناس صحّة ما في ضمائرهم وطهارتهم عن لوث شهوات الدنيا ، ومتابعة النفس والهوى كما ظهر أيضاً من آية التطهير ، وكيف كشف عن كمال خوفهم وورعهم وتقواهم في قوله سبحانه : «إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا»(٣) الآية ، ليعلم الناس أنّ هؤلاء أكرم الاُمّة عند اللّه كما قال عزّ وجلّ : «إِنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقـكُمْ»(٤) .
ثمّ صرّح بنجاتهم قطعاً عن جميع أنواع شرّ يوم الحساب فضلاً عن العذاب ، وبوصولهم جزماً إلى استحقاق أعلى مراتب الثواب ، وأعاظم أنواع ألطاف الملك الوهّاب ، بل حكم حتماً بأنّه أعطاهم جميع ذلك بلا تغيير أصلاً كما هو صريح عبارة الآيات ؛ ليظهر على الناس وجوب الاعتماد عليهم والركون إليهم ، حتّى أنّه أخبر بأنّه أعطاهم ملكاً كبيراً ، ليكون حجّة على من أزال عنهم الملك في الدنيا ؛ ضرورة استحقاقهم لهذا بالطريق الأولى .
فعلى هذا إذا لوحظ اختصاصهم بهذه المكرمة مع سائر المكارم التي اختصّوا بها لا يبقى مجال شكٍّ في قبح دفع الإمامة عنهم ، بل تقديم غيرهم عليهم لاسيّما الذين ليس لهم مكرمة واحدة يبدونها عند الفخار ، حتّى أنّهم
(١) المصدر غير متوفّر لدينا ، وعنه الأربلي في كشف الغمّة ١ : ٣٢٩ .
(٢) سورة الإنسان ٧٦ : ٩ .
(٣) سورة الإنسان ٧٦ : ١٠ .
(٤) سورة الحجرات ٤٩ : ١٣ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
