ثمّ قال ـ بعد ذكر كلام ابن عبّاس ـ : واعلم أنّ اللّه تعالى لمّا قسّم المكلّفين في سورة الواقعة إلى ثلاثة أقسام : المقرّبون ، وأصحاب اليمين ، وأصحاب الشمال ، ثمّ إنّه تعالى بيّن كرامة المذكورين في هذه السورة بأنّه يمزج شرابهم من عين يشرب بها المقرّبون ، علمنا أنّ المذكورين في هذا الموضع هم أصحاب اليمين .
ثمّ قال ـ بعد هذا الكلام ـ : وهذا يدلّ على أنّ الأنهار متفاوتة في الفضيلة ، فالتسنيم أفضلها ؛ حيث يشربها بعضهم صرفاً وبعضهم ممزوجاً .
ثمّ ذكر أنّ «عيناً» منصوب على المدح ، أي : أعني عيناً ، يعني أنّ «تسنيم» عين يشرب بها المقرّبون .
ثمّ قال : وقوله : «يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ» كقوله : «يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ»(١) كما مرّ(٢) . انتهى كلامه .
ولا يخفى أن لا فرق بين عبارتي السورتين فرقاً موجباً لما ارتكبه في سورة «هل أتى» من تغيير التفسير ، وجعل عباد اللّه عبارة عن الأبرار المذكور قبله وأمثال ذلك ، غير أنّ الظاهر أنّ التعبير وقع عن العين في إحداهما بالتسنيم وفي الاُخرى بالكافور ، ولعلّهما اسمان لعين واحدة ، أو أحدهما صفة ، ولا يبعد كما يظهر من قوله تعالى : «عَيْناً فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلاً»(٣) أن تكون عيون متعدّدة في منازل المقرّبين ؛ لشرفها ، وينتفع منها أصحاب اليمين أيضاً .
فعلى هذا لا يبقى شكّ في أنّ الواجب تفسير كلّ واحدة من الآيتين بما يظهر من الاُخرى ؛ «فَأَمّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَبَهَ»(٤) .
وإذا تبيّن هذا ، نقول حينئذٍ : أيّ شيء ينافي أن تكون الآيات من قوله تعالى : «عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللّهِ» إلى قوله سبحانه : «وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً»(٥) نازلة في هؤلاء الجماعة عند فعلهم المذكور ويكونوا
(١) سورة الإنسان ٧٦ : ٦ .
(٢) التفسير الكبير للرازي ٣١ : ١٠٠ ـ ١٠١ .
(٣) سورة الإنسان ٧٦ : ١٨ .
(٤) سورة آل عمران ٣ : ٧ .
(٥) سورة الإنسان ٧٦ : ٦ ـ ٢٢ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
