أقول : وإذا عرفت هذا ، فاعلم أنّه قد مرّ مفصّلاً في نقل أحوال أبي طالب عليهالسلام أنّه أيضاً أمر عليّاً عليهالسلام في الشعب أنّه ينام في موضع النبيّ صلىاللهعليهوآله في ليالٍ عديدة(١) .
فعلى هذا قد صدر منه هذا مراراً وإن كان الأخير أعظم وأشدّ وتمام الأمر ، ولهذا نزلت الآية في ذلك الوقت ، ولا يخفى على أحدٍ أنّ هذا خلّة حميدة ، وفضيلة جزيلة لا يساويها فضل ، وقد مدح اللّه تعالى ذبيحه إسماعيل بتسليمه للقتل بيد حبيبه حتّى قال سبحانه : «إِنّ هَـذَا لَهُوَ الْبَلَـؤُاْ الْمُبِينُ»(٢) ، وهذا عليٌّ عليهالسلام قد استسلم للقتل تحت مائة سيف من سيوف الأعادي .
هذا ، مع أنّ حكاية إسماعيل كانت كما قال الشيخ المفيد أيضاً في مقام يقوى بحسب الظاهر والعادات عدم تحقّقه؛ لعدم وقوع مثله سابقاً ، لا في نبيّ ولا في غيره ، فكان يحتمل احتمالاً ظاهراً أنّ هذا المقال لأبيه أو من أبيه كان لأجل الامتحان في الطاعة دون تحقيق العزم على إيقاع الفعل ، ومعلومٌ أنّه حينئذٍ يزول كثير من الخوف ، وترجى السلامة عنده ، بخلاف حكاية عليٍّ عليهالسلام ، فإنّه بالعكس؛ حيث كان ذلك منه مع مشركي قريش الذين كانوا أغلظ الناس وأشدّهم وأقساهم قلباً على النبيّ صلىاللهعليهوآله وأتباعه ، لاسيّما في ذلك الوقت الذي كانوا مجدّين وفي شدّة العزم على القتل الذي اتّفقت عليه جميع آرائهم ، بل أجمعوا على انحصار تدبيرهم في ذلك ، حتّى أنّ احتمال رجائه النجاة بكون دعواهم(٣) مع النبيّ صلىاللهعليهوآله فقط لم يكن في ذلك الحال راجحاً بل ولا قريباً؛ ضرورة ظهور احتمال كبسهم عليه(٤)
(١) الفصول المختارة (ضمن مصنّفات الشيخ المفيد ج٢) : ٥٨ ، المناقب لابن شهرآشوب ٣ : ٢٨٤ ، إيمان أبي طالب لفخار بن معد الموسوي : ٣١١ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٤ : ٦٤ ، بحار الأنوار ٣٦ : ٤٥ ـ ٤٦ نقلاً عن الشيخ المفيد .
(٢) سورة الصافّات ٣٧ : ١٠٦ .
(٣) في «ل» : «خصومتهم» بدل «دعواهم» .
(٤) في «ل» : «إيّاه عليهالسلام » بدل «عليه» .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
