نزلت في يوم اُحد لمّا قتل عليٌّ عليهالسلام صاحب لواء قريش ، وأنزل اللّه النصرة ، حتّى أنّه روى عن الزبير بن العوّام أنّه قال : فرأيت هنداً وصواحبها هاربات مصعدات في الجبل ، باديات حزامهنّ ، فكانوا يتمنّون الموت من قبل أن يلقوا عليّ بن أبي طالب عليهالسلام (١) ، فتأمّل حتّى تعلم دلالة هذه الآية على كمال رفعة شأن عليٍّ عليهالسلام وعلوّ مكانه ، بحيث وصفه اللّه تعالى أوّلاً : بكونه محبّاً ومحبوباً له ، وثانياً : بكونه مجاهداً في سبيله على الحزم واليقين ، بحيث لا يبالي بلوم اللائمين ، وثالثاً : بكونه رحيماً على المؤمنين ، شديداً على الكافرين ، ثمّ عقّب اللّه جميع ذلك بقوله سبحانه : «ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ»(٢) إلى آخر الآية ، تعظيماً لشأن تلك الصفات وتفخيماً لها .
ثمّ تدبّر هل مثل هذا يستحقّ الخلافة والإمامة وتعليم الاُمّة ، أم غيره؟ لا سيّما مَنْ فرّ كراراً ومراراً ، حتّى أنّ تصريح اللّه بكونه محبّاً ومحبوباً له لا يخلو من الدلالة على عصمته أيضاً ، بناءً على ظهور كون صدور الذنب مبغوضاً عند اللّه في نفسه وإن أزالته التوبة .
فافهم بل اعلم أيضاً أنّ العصبيّة ونصب عليٍّ عليهالسلام دعيا الفخر الرازي في هذا المقام إلى ارتكاب خرافات وجهالات(٣) لا يبوح بها خارجيٌّ ولا اُمّي ، ولقد فضح فيها نفسه وإمامه ، أعرضنا عن الإطالة بذكرها هاهنا لكمال وضوح سخافتها مع إشارتنا إلى بعضها وتوضيح بطلانها فيما سبق ويأتي ، واللّه الهادي .
ثمّ إنّ من الآيات بل من المؤيّدات لما مرّ آنفاً : ما روى قوم من المفسّرين نزوله في عليٍّ عليهالسلام ، ورواه أيضاً جماعة من المحدّثين عن جمعٍ من الصحابة والتابعين مجملاً ومفصّلاً ، وهو قوله تعالى : «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِى نَفْسَهُ ابْتِغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ»(٤) الآية ، فإنّ ممّن نقل نزولها في عليٍّ عليهالسلام ـ عند مبيته على فراش النبيّ صلىاللهعليهوآله ليلة خروجه من مكّة إلى الغار
(١) تفسير الثعلبي ٣ : ١٧٥ ، وعنه ابن البطريق في العمدة : ٣٥٢/٦٧٨ .
(٢) سورة المائدة ٥ : ٥٤ .
(٣) التفسير الكبير للرازي ١٢ : ٢٠ ـ ٢٤ .
(٤) سورة البقرة ٢ : ٢٠٧ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
