وأصحابه العمل بذلك لقدروا عليه ، ولم يكن ذلك متعذّراً عليهم؛ إذ قد كان يتحقّق مصداق الصدقة حتّى بشقّ تمرة ، فقد كان لكلّ مؤمن طريق إلى العمل بهذه الآية لا سيّما من كان له أدنى يُسر ، فَتَرْكُ الكلّ غير عليٍّ عليهالسلام وحده ، لاستعمال هذه الآية دليل على أنّ اللّه تعالى جعلها منقبةً له خاصّة يتميّز بها عن غيره ، كما يدلّ عليه تمدّحه هو بها وبفعلها ، وبأنّ غيره لم يفعلها ، كما مرّ صريحاً في كلامه عليهالسلام .
ويزيده بياناً وإيضاحاً أنّ النسخ لهذا الحكم إنّما حصل عقيب فعل عليٍّ عليهالسلام ؛ إذ هو مُشعر بأنّ الحكمة في نزولها إظهار اختصاصه بهذه المنقبة .
هذا كلّه ، مع دلالتها على غاية حبّه للرسول صلىاللهعليهوآله ، وزهده في الدنيا ، وإيثاره الآخرة عليها ، ومسارعته في الخيرات والطاعات وأمثال ذلك ممّا ينادي بكونه أفضل من غيره ، وأحقّ بالإمامة ، وهذا بحمد اللّه واضح .
ثمّ لا يخفى ثانياً : إنّ فيها أيضاً ما ينادي بنقصٍ عظيم ، بل جرم جسيم ، وعار وبوار لمن سواه لا سيّما أكابر الصحابة ؛ لتقصيرهم ـ كما بيّنّا آنفاً ـ في هذا الأمر الحقير الذي كان يتأتّى بأقلّ من درهم ، بحيث اختاروا مفارقة الرسول صلىاللهعليهوآله ، وتركوا صحبته الشريفة لذلك ، بل إنّ تقصيرهم في مثل هذا يدلّ على تقصيرهم في الطاعات الجليلة ، والاُمور العظيمة بطريق أولى ، فكم [فرق] ما بين مَنْ يبذل نفسه لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله لتحصيل رضاه ـ كما فعل عليٌّ عليهالسلام ليلة المبيت وغيرها ، بل في الحروب كلّها ـ وبين مَنْ يبخل بدرهم لإدراك سعادة نجواه؟ بل ربّما يقال : إنّ ترك إنفاقهم يدلّ على نفاقهم ، كما اعترف به البيضاوي في أوّل كلامه الذي نقلناه آنفاً(١) .
هذا ، مع ما في الآية من صريح معاتبة اللّه تعالى التاركين لذلك بقوله : «ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَكُمْ صَدَقَـتٍ) ، وقوله : (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ»(٢) الآية ، ومع ما في الأخبار الّتي ذكرناها ، بل في كلام الثعلبي والواحدي وغيرهما(٣) أيضاً من التصريح بالعيب والذمّ
(١) في ص ٣٠٢ .
(٢) سورة المجادلة ٥٨ : ١٣ .
(٣) انظر : ص ٢٩٨ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
