هو ظاهر من صدور الكبائر حتّى الفرار في الحروب عن غيره ، بل الحكم بخلاف ما أنزل اللّه أيضاً ، كما سيأتي في مقالات المقصد الثاني .
ثمّ مع هذا لا يخفى ثانياً أنّ حمل الآية على هذا يوجب ارتكاب التخصيص ، لاسيمّا المخالف لظاهر الآية وعموم اللفظ من غير موجبٍ لذلك .
ولا يمكن أن يقال : إنّ الموجب لذلك محو الصغائر بترك الكبائر ، كما يدلّ عليه قوله تعالى : «إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئـِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـءَاتِكُمْ»(١) .
لأنّا نقول : أوّل ما في هذا أنّ صدق الظالم على صاحب الصغيرة لا ينافي العفو والمحو كما بيّنّاه أوّلاً ، ويؤيّده هذه الآية أيضاً ، فبمحض العفو لا يمكن الحكم بخروج المعفوّ عنه عن مصداق الظالم ، أي : من صدر عنه الظلم ، نعم هو ظالم معفوّ عنه ، كما أنّه قبل العفو ظالم غير معفوٍّ عنه ، وأمّا البريء الذي لم يصدر منه شيء بعدُ فإنّما هو الذي ليس من مصداق الظالم في شيءٍ ، وقد يطلق عليه المعصوم ، كما يطلق على المعفوّ عنه المرحوم ، وعلى غيرهما المحروم .
وكفى فيما ذكرناه شيوع إطلاق الكاذب والنمّام والشرير وأمثالها حقيقةً على مَنْ حاله تعاطي تلك الأفعال ، وصدوره عنه مراراً وإن تاب بعد كلّ مرّةٍ ؛ إذ ظاهر أنّ المفروض فيما نحن فيه مثل هذا كما هو شأن غير المعصوم وإن أمكن القول بدخول من فعل مرّةً أيضاً ؛ بناءً على ما ظهر من الأخبار التي مرّت في مَنْ عبد صنماً وقتاً مّا وإن تاب بعده وأسلم ، فافهم .
ثمّ إنّ ثاني ما فيه : أنّ المسلّم المعلوم إنّما هو إفادة المحو والتكفير في إسقاط العقاب ونحو ذلك ، وأمّا تأثير ذلك في قابليّة الإمامة التي هي الرئاسة العامّة في الدين والدنيا وتالي النبوّة إن لم نقل بكونها أعلى منها فغير مسلَّمٍ ، والفرق بينهما ظاهر كما تبيّن ممّا ذكرناه سابقاً في أحوال المعلّم من اللّه ، ولا أقلّ من لزوم مزيّة الإمام على رعيّته بأمثال الخيريّة وقلّة
(١) سورة النساء ٤ : ٣١ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
