«وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَ مَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَقَدْ ظَـلَمَ نَفْسَهُ»(١) وأمثالها كثيرة ، وعلى هذا فأقلّ مراتب الظلم حقيقةً تعاطي الصغائر المحرّمة ، ثمّ أظلم منه من يتعاطى الكبائر أيضاً ، فإنّهما الظالمان على أنفسهما والمضرّان إيّاها بذلك الخطأ الموجب للعقاب وإن كان قد يشملهما العفو من اللّه تعالى تفضّلاً منه على مقتضى وعده ، كما سنبيّنه أيضاً .
وكفى في هذا قوله تعالى في وصف المؤمنين : «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَـحِشَةً أَوْ ظَـلَمُوآاْ أَنفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ»(٢) ؛ ضرورة كونه شاهد صدق على صدق الظالم على صاحب الصغيرة أيضاً ، وأنّ الاستغفار والعفو لا ينافي تحقّق الظلم وصدق الظالم عليه ، بل يدلّ على ذلك ، كما هو ظاهر .
ويشهد له قوله تعالى : «وَمَن يَعْمَلْ سُوآءًا أَوْ يَظْـلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا»(٣) .
وعن عليٍّ عليهالسلام أنّه قال : «إنّ الظلم ثلاثة : ظلم لا يُغفر وهو الشرك ، وظلم لا يُترك وهو ظلم العباد بعضهم بعضاً ، وظلم يُغفر وهو ظلم العبد نفسه»(٤) بفعل بعض المناهي والزلاّت ، حتّى أنّه قد ورد إطلاقه أحياناً على فعل بعض ما يكون الأولى تركه شرعاً ولو بالنسبة إلى بعض الأشخاص كالأنبياء مثلاً ، إلاّ أنّه على التجوّز ؛ لصراحة الأولويّة في وجود الرخصة المستلزمة للجواز ونفي التحريم ، فليس حقيقةً من وضع الشيء في غير موضعه لاسيّما الموجب للعقاب ، ولعلّه لأجل هذا لم يذكر اللّه هذا الإطلاق في كتابه إلاّ حكاية عن لسان بعض من صدر عنه ذلك الفعل في مقام الاعتذار والتذلّل ، كما هو من آداب خشوع المعتذرين ، وقد مرّ سابقاً بيان تجوّز لفظة العصيان حينئذٍ أيضاً ، فتأمّل .
(١) سورة البقرة ٢ : ٢٢٩ .
(٢) سورة البقرة ٢ : ٢٣١ .
(٣) سورة آل عمران ٣ : ١٣٥ .
(٤) سورة النساء ٤ : ١١٠ .
(٥) نهج البلاغة : ٢٥٥ ، قطعة من الخطبة ١٧٦ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
