أقول : معنى الحبل معروف عرفاً ، ويطلق على كلّ ما يتوصّل به إلى البغية ، ومنه الحبل للأمان؛ لأنّه سبب النجاة ، وإنّما شبّه القرآن والأئمّة عليهمالسلام بالحبل ؛ لأنّهما وسيلة الخلق إلى اللّه تعالى؛ إذ بهما وبمتابعتهما وبالتمسّك بهما يصلون إلى قرب اللّه وحبّه وكرامته وجنّته ، فكأنّ كلاًّ منهما حبل ممدود بين اللّه وبين الخلق .
وبالجملة ، استعير لهما لفظ الحبل من حيث إنّ التمسّك بهما سبب للنجاة عن الردى ، كما أنّ التمسّك بالحبل سبب للسلامة من التردّي ، ولهذا قد اُطلق عليهما لفظ السبب أيضاً في بعض أخبار الثقلين كما تقدّمت في محلّها ؛ لأنّ السبب أيضاً بمعنى الحبل لغةً(١) ، ويطلق على ما يتوصّل به إلى غيره عرفاً ، وجمعه أسباب ، ولهذا يطلق على الدليل أيضاً كما في قوله تعالى : «وَءَاتَيْنَـهُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ سَبَباً»(٢) .
ولا يخفى أنّ دين اللّه أيضاً كذلك ، وعلى هذا فلا منافاة في أن يكون المراد الجميع ، ويكون الأئمّة عليهمالسلام هُم أصل المقصود ، ولا أقلّ من كونهم من جملة المقصود والمصداق ، بل الحقّ أنّه لا يمكن لأحدٍ أن يخالف في هذا ولو كان من فِرَق المخالفين .
أمّا أوّلاً : فلما ذكرناه هاهنا من الأخبار والشواهد .
وأمّا ثانياً : فلما مرّ في الفصل السابع من أحاديث الثقلين ولزوم التمسّك بهما ، وأنّ النجاة إنّما هو في ذلك ، وأنّهما حبل اللّه ولا يتفارقان ، وأنّ علم الكتاب عند أهل البيت عليهمالسلام ، وأمثال ذلك ممّا يدلّ على عدم مفارقة كلٍّ من الكتاب والعترة عن الآخَر ، وأنّ التمسّك بأحدهما بدون الآخر لا يفيد ، وأنّ الدين عند التمسّك بهما معاً ، وقد تكلّمنا في الفصل المذكور بما يوضّح المقصود به ، فليرجع إليه .
وأمّا ثالثاً : فلما هو متّفق عليه عند المخالف والمؤالف من كون عليٍّ عليهالسلام والأئمّة المعلومين من ولده عليهمالسلام أعلم علماء الدين ، وأعلم الناس
(١) انظر : الصحاح للجوهري ١ : ١٤٥ ، والمحكم والمحيط الأعظم ٨ : ٤٢٢ ـ ٤٢٥ ، ومجمع البحرين ٢ : ٧٩ .
(٢) سورة الكهف ١٨ : ٨٤ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
