أَنتَ مُنذِرٌ» وجه وجيه كما هو ظاهر ، مع أنّ عادة اللّه في القرآن جارية بنسبة الإنذار إلى الأنبياء ، فتأمّل تفهم .
والحقّ ـ كما يظهر من الآية الثانية وأشباهها ـ أنّ المعنى : أنّ لكلّ قومٍ في كلّ زمانٍ إماماً هادياً يهديهم إلى مراشدهم ، وهو المتبادر المناسب لشأن عموم الإحسان ، وشمول اللطف ، وإتمام الحجّة ، وتدلّ عليه الأخبار المذكورة ، بل هذه الأخبار تدلّ أيضاً على نفي سائر المعاني المذكورة ، وإذا ورد نزولها في عليٍّ عليهالسلام ثبت أنّه أوّلهم في هذه الاُمّة ، وظهر أنّها جارية في الأوصياء من بعده ، فهو الإمام والمعصوم والخليفة بعد النبيّ صلىاللهعليهوآله دون غيره .
أمّا أوّلاً : فلأنّ مقابلته للنبيّ صلىاللهعليهوآله بأنّه منذر وعليٌّ عليهالسلام هادٍ أدلّ دليل على كونه بعده قائماً بما كان يقوم به ، متّصفاً بما هو من لوازم ذلك ، كما أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله كان كذلك ، فهذا أمر واضح على من له معرفة بأساليب الكلام .
وأمّا ثانياً : فلأنّ المراد ليس إلاّ الهداية إلى كلّ خير وجميع الحقّ الوارد من اللّه [تعالى] ورسوله صلىاللهعليهوآله ؛ ضرورة أنّ الهداية إلى بعضٍ دون بعضٍ أمر ميسور لمن له أدنى علم بالدين ، بل كان يصدر من كثيرٍ من الصحابة والتابعين ، وعلى هذا فلابدّ أن يكون مثل هذا الهادي عالماً عاملاً بجميع الخير والحقّ كالنبيّ صلىاللهعليهوآله ؛ ضرورة عدم الاعتماد عليه وعلى قوله إن لم يكن كذلك ، إنّ الهداية واقعاً وحقيقةً لا تتحقّق إلاّ بعد معرفة الهادي بما يهدي إليه ، ولا تأثير لها إن لم يعمل بما يقول ، بل ليس مثله قابلاً لأن يجعله اللّه هادياً ، كما حقّقناه مراراً فيما مرّ ويأتي لاسيّما في قوله تعالى : «لاَ يَنَالُ عَهْدِى الظَّـلِمِينَ»(١) ، فضلاً عن جعله أيضاً قريناً للرّسول صلىاللهعليهوآله ، وإذا ظهر لزوم هذا الاتّصاف ، فلا يخفى أنّ هذا هو وصف المعلّم الذي بيّنّا وجوبَ وجوده ما دام التكليف ، وأثبتنا لزوم كونه عالماً بالأشياء ، معصوماً عن الكذب والخطأ مثل الأنبياء ، وإذا خُصّ ذلك بعليٍّ عليهالسلام فهو ذاك المعلّم ، وهو المطلوب .
(١) سورة البقرة ٢ : ١٢٤ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
