لتوضيح ما ذكرناه من المرام وإن انجرّ إلى بعض تطويلٍ في الكلام .
قال بعض الأفاضل منهم : الصادق حقيقةً من يستعمل الصدق في أقواله وأفعاله ، ولا يكذب في شيءٍ من قوله ولا من فعله حتّى لا يتطرّق إليه سلب الصدق عنه .
وظاهرٌ أنّ مثل هذا الصدق لا يكون إلاّ في المعصوم ؛ ضرورة أن لا أقلّ من أنّ الإنسان يقول في كلّ يوم عشر مرّات وأكثر عند قراءة سورة الحمد في صلاته : «إِيَّاكَ نَعْبُدُ » ، وقد سمّى اللّه طاعة الشيطان عبادة في مواضع(١) من كتابه ، وكلّ معصية طاعة للشيطان ، وقس على هذا «وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» وسائر ما يقوله الإنسان ويدّعيه من الإيمان باللّه واليوم الآخر وحبّ اللّه تعالى والإخلاص والتوكّل عليه وغير ذلك ، فظهر أنّ الصادق حقيقة إنّما هو المعصوم لا غير .
ومع هذا قد وردت الأخبار في كون المراد بهذه الآيات لاسيّما قوله تعالى : «كُونُوا مَعَ الصَّـدِقِينَ»(٢) خصوص عليٍّ عليهالسلام (٣) من بين سائر الصحابة ، فليس ذلك إلاّ لعصمته ، ولمّا تبيّن بإقرار المخالف والمؤالف أنّ في ذرّيّته جماعةً معلومين مثله في هذه الحالات ، فهُم أيضاً مصداق هذه الآية .
ثمّ قال : ولا ريب في أنّ المراد بالكون معهم الاقتداء بهم وطاعتهم ومتابعتهم ؛ إذ ظاهرٌ أن ليس المراد محض الكون معهم بالجسم والبدن ، فيدلّ على إمامتهم ، إذ لا يجب متابعة غير الإمام في كلّ ما يقول ويفعل بإجماع الاُمّة(٤) .
وقال بعضٌ منهم : إنّ اللّه عزّ وجلّ أمر في هذه الآية باتّباع
(١) منها : قوله تعالى : «يَـا أَبَتِ لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَـنَ» سورة مريم ١٩ : ٤٤ ، وقوله : «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِى ءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَـنَ» سورة يس ٣٦ : ٦٠ .
(٢) سورة التوبة ٩ : ١١٩ .
(٣) انظر : بناء المقالة الفاطميّة : ٢٦٠ ، وسعد السعود : ٢٤٧/٤٥ ، وكشف الغمّة ١ : ٣١٥ ، وشواهد التنزيل ١ : ٢٥٩/٣٥١ ، والمناقب للخوارزمي : ٢٨٠/٢٧٣ ، وتاريخ مدينة دمشق ٤٢ : ٣٦١ .
(٤) انظر : بحار الأنوار ٣٥ : ٤١٨ .
![ضياء العالمين [ ج ٧ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4695_Dhiae-Alamin-part07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
