الجمل من بني ضَبّة من عسكر عائشة وهو يقول :
نحن بني ضَبّة أعداءُ عليّ ذاك الذي يُعرف قِدْماً بالوصيّ
وفارس الخيل على عهد النبيّ ما أنا عن فضل عليّ بالعميّ
(لكنني أنعى)(١) ابن عفّان التقي(٢)
وقد ذكر نصر بن مزاحم أيضاً في كتابه صفّين أشعاراً كثيرة مشتملة على الوصاية من جماعة من الأعاظم في ذلك اليوم وغيره ، حتّى أنّه نقل عن أشعث بن قيس الذي صار من أشدّ الخوارج أنّه قال : لمّا وصل رسول عليٍّ عليهالسلام إليه للبيعة بعد قتل عثمان وهو يومئذٍ كان في آذربايجان :
أتانا الرسول رسول الوصيّ عليّ المهذّب من هاشم
وزير النبيّ وذو صهره وخير البريّة والعالم
ونقل بعضهم : أنّه كتب إلى عليٍّ عليهالسلام لمّا أتاه رسوله :
أتانا الرسول رسول الوصيّ فسرّ بمقدمه المسلمينا
رسول الوصيّ وصيّ النبيّ له الفضل والسبق في المؤمنينا(٣)
إلى آخر أشعاره .
وبالجملة ، الأشعار المشتملة على التصريح بكون عليٍّ عليهالسلام وصيّاً للنبيّ صلىاللهعليهوآله المنقولة من السلف ، المذكورة في كتب المخالفين ممّا يطول بها الكلام إن أردنا استقصاء عُشْرٍ منها ، ومن الواضحات أنّ بعد ملاحظة جميع ما ذكرناه هاهنا ، وما أشرنا إليه في موضعه ، لا يبقى مجالُ شكٍّ في كون عليٍّ عليهالسلام وصيّاً لرسول اللّه صلىاللهعليهوآله دون غيره من الصحابة وغيرهم ؛ حيث إنّه لم يدّعها غيره أبداً ، ولم يذكر أحد كونها لغيره أيضاً ، ودلالتها على الإمامة واضحة لدى كلّ من له أدنى بصيرة وإنصاف .
أمّا أوّلاً : فلأنّ جُلّ ما تبيّن من وصايا الأنبياء وغيرهم ينادي بأنّها
(١) في «م» و«ن» : «لكنّه أفتى بنعي» .
(٢) الفتوح ١ : ٤٨١ ، ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة ١ : ١٤٤ ، وانظر : كتاب الجمل وصفّين والنهروان لأبي مختف : ١٨١ .
(٣) وقعة صفّين : ٢٣ و٢٤ ، وفيه : «عليّ» بدل «الوصي» .
(٤٣)
إنّما كانت لإظهار رئاسة الوصيّ ، ولزوم إطاعته ، وتقديمه في الاُمور نبيّاً كان أو غيره ، وأنّ سنّة اللّه جرت هكذا سابقاً ، كما هو ظاهر لكلّ متأمّل ، وقد قال سبحانه : «وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللّهِ تَحْوِيلاً»(١) .
وأمّا ثانياً : فلأنّ ذلك هو صريح ما مرّ ويأتي من أخبار عديدة في نصّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في ضمن كلامه بأنّ وصايّة عليٍّ عليهالسلام كوصاية يوشع وشمعون وأمثالهما كما هو ظاهر أيضاً .
وأمّا ثالثاً : فلأنّ ذلك إنّما هو مفاد العلّة التي ذكرها النبيّ صلىاللهعليهوآله في بعض تلك الأخبار لتعليق الوصيّة بيوشع وأمثاله من لزوم كون الوصيّ عالماً بل أعلم ، وكذا ما هو مفاد أكثر ما ذكرناه من جريان عادتهم بتعليم الموصي وصيّه العلوم التي كان لابُدَّ من تعليمها ، وتسليمه ما عنده من الكتب وأمثالها ؛ لما قد بيّنّاه سابقاً وأوضحناه من أنّ عمدة سبب نصب الإمام ووجوب وجوده في كلّ زمان أن يُعلّم الناس ما لا يعلمون ، وأن يَسير بهم سيرة الحقّ وطريقة الصدق التي لا يهتدي إليها إلاّ العلماء الربّانيّون ، فافهم .
فقد روى جماعة عن أئمّة أهل البيت عليهمالسلام في أحاديث عديدة بحيث وصلت إلى حدّ التواتر المعنوي كما هو معلوم لدى من تتبّع كتب أحاديث أئمّة أهل البيت عليهمالسلام : «أنّه لمّا قضى رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نبوّته ، واستكمل أيّامه أوحى اللّه تعالى إليه : أن يا محمّد ! قد قضيت نبوّتك ، واستكملت أيّامك ، فاجعل العلم الذي عندك ، والإيمان ، والاسم الأكبر ، وميراث العلم ، وآثار علم النبوّة في أهل بيتك عند عليّ بن أبي طالب عليهالسلام ، فإنّي لم أقطع العلم والإيمان والاسم الأكبر وميراث العلم وآثار علم النبوّة من العقب من ذرّيّتك ، كما لم أقطعها من ذرّيّات الأنبياء»(٢) ، وسيأتي نبذ من أمثاله في المبحث الآتي ، ومرّ كثير في الفصل الأوّل .
وأمّا رابعاً : فلأنّ عامّة الأخبار التي اشتملت على وصاية عليٍّ عليهالسلام
(١) سورة فاطر ٣٥ : ٤٣ .
(٢) بصائر الدرجات : ٤٨٨ ـ ٤٩٠/١ ـ ٤ ، تفسير العياشي ١ : ٢٩٩/٦٧١ ، الكافي ١ : ٢٣٢/٢ و٣ (باب الإشارة والنصّ على أمير المؤمنين عليهالسلام ) و٨ : ١١٣/٩٢ في ضمن الحديث (حديث آدم عليهالسلام مع الشجرة) ، بحار الأنوار ٢٣ : ٢٢٥/٤٦ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
