بالغرب(١) على نخيلات من فَدّان(٢) ويقرأ القرآن ، قال : ياعبداللّه عليك دماء البُدْن إن كتمتنيها ! هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت : نعم ، قال : أيزعم أنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآله نصّ عليه؟ قلت : نعم ، وأزيدك : سألت أبي عمّا يدّعيه ، فقال : صدق ، فقال عمر : لقد كان من رسول اللّه صلىاللهعليهوآله في أمره ذروٌ(٣) من قول لا يثبتُ حجّة ولا يقطع عذراً ، ولقد كان يزيغ في أمره وقتاً ما ، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقاً وحيطة على الإسلام لا وربّ هذه البنيّة لا تجتمع عليه قريش أبداً ولو ولاّها لانتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم رسول اللّه صلىاللهعليهوآله أنّي علمت ما في نفسه ، فأمسك ، وأبى اللّه إلاّ إمضاء ما حتم(٤) .
أقول : قد مرّ هذا الخبر تقريباً في الفصل الخامس من الباب الرابع من المقدّمة عند بيان حكاية منع عمر النبيّ صلىاللهعليهوآله عن كتابة وصيّته ، وبيّنّا هناك ما ينادي بأنّ هذا الحديث يفضح ما وجّه به القوم ذلك المنع من عمر ، من أراد التفصيل فليرجع إليه ، ثمّ لا تغفل عن الجزئيّات التي في هذا الخبر من الاعتراف بالنصّ ، ومن مداراة النبيّ صلىاللهعليهوآله مع أصحابه إلى هذا الحدّ ، ثمّ خلاف الأدب الذي في عبارة عمر(٥) ، واللّه الهادي .
(١) الغَرْب ـ هو كفلس ـ : الدّلو العظيم الذي يتّخذ من جلد ثور . انظر : مجمع البحرين ٢ : ١٣١ ، والصحاح ١ : ١٩١ ـ ١٩٤ ، والنهاية لابن الأثير ٣ : ٣٤٩ ـ غرب ـ .
(٢) في «م» و«ن» وفي شرح النهج : «فلان» بدلاً عن «فدان» وفي بعض المصادر : «له» بدلاً عنهما ، والفدان : المزرعة . انظر : لسان العرب ١٣ : ٣٢١ ، مادّة ـ فدن ـ .
(٣) الذَّرْوُ من الكلام كأنَّه طَرَفٌ من الخبر ، وعرفت ذلك من ذَرْوِ كلامه أي في فحواه . انظر : كتاب العين ٨ : ١٩٥ ، المحيط في اللغة ١٠ : ٩٥ ، مادّة ـ ذرو ـ .
(٤) لم نعثر عليه في تاريخ بغداد وعنه في كشف اليقين : ٤٧٠ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ١٢ : ٢٠ ـ ٢١ ، ولاحظ كشف الغمّة ١ : ٤٢٠ ، وبحار الأنوار ٣٠ : ٢٤٣ .
(٥) إشارة لقول عمر في الحديث المعروف والمشهور بين الخاصّة والعامّة، لمّا احتُضِرَ رسولُ اللّه صلىاللهعليهوآله ، وفي البيت رجال ، فقال النبيّ صلىاللهعليهوآله : «هلمّوا أكتب لكم كتاباً . . .» أو قال صلىاللهعليهوآله : «ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً . . .» ، فقال عمر : إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قد اشتدّ به الوجع حسبنا كتاب اللّه ، وفي روايةٍ قال : إنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله ليهجر . . . .
انظر : صحيح البخاري ١ : ٣٩ ، و٤ : ٨٥ ، و٦ : ١١ ، وصحيح مسلم ٣ : ١٢٥٩/١٦٣٧ ، وتاريخ الطبري ٣ : ١٩٣ سنة ١١ ، والمصنّف لعبدالرزّاق ٥ : ٤٣٨/٩٧٥٧ ، ودلائل النبوّة للبيهقي ٧ : ١٨٣ ، وأنساب الأشراف ١ : ٦٥٠ ، والشفا بتعريف حقوق المصطفى ٢ : ٤٣١ ، وابكار الأفكار للآمدي ٣ : ٥٥٣ ، وسرّ العالمين وكشف ما في الدارين للغزالي : ١١ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
