ما ذكره عمر لبريدة هو الذي كان هو وأبو بكر يتشبّثان به في إسكات الناس ، وأوّل ما يوضّح بطلانه الآية التي أوردها بريدة مع قطع النظر عن آيات اُخر ، والروايات ، وإجماع الناس على صحّة خلافة عليٍّ عليهالسلام بعد الثلاثة ، على أنّ عمر هو الذي جعل عليّاً عليهالسلام سادس الستّة لمّا جعل الخلافة شورى بينهم ، فتأمّل حتّى تعلم أيضاً أنّه يظهر من هذا الحديث وأمثاله : أنّ المستفاد من ظاهر الأحوال أنّ السرّ في ترك أصحاب أبي بكر خطابه بأمير المؤمنين كان الاحتراز عن مثل هذا الاعتراض ؛ حيث كان ذلك سبب تذكّر الناس بورود الأمر بذلك في عليٍّ عليهالسلام صريحاً ، حتّى أنّهم لم يخاطبوه ذلك بالإمارة مطلقاً مع كونه متعارفاً عندهم ، كما ينادي به قول الأنصار يوم السقيفة : منّا أمير ومنكم أمير(١) .
ولهذا لمّا مضت مدّة واضمحلّ خوفهم من المقالات باستقرار الأمر لهم رجعوا في زمان عمر إلى الخطاب بإمارة المؤمنين ، حتّى أنّه يظهر أيضاً أنّ ما ذكره بعض في سبب ذلك : إنّ المغيرة بن شعبة ، أو أبا موسى قال لعمر يوماً : نحن المؤمنون وأنت أميرنا فينبغي أن نخاطبك بأمير المؤمنين(٢) ، واستقرّوا على ذلك ، إنّما كان محض تمهيد لإيهام سائر الناس بأنّ ذلك أمر جديد هم استحدثوه ولم يكن سابقاً ، ومن تتبّع أطوار هؤلاء ببصيرةٍ لم يخَفْ عليه أنّ هذا من أقلّ دواهيهم .
وممّا يشهد لهذا ما رواه الخوارزمي وابن مردويه بإسنادهما عن سالم مولى عليٍّ عليهالسلام ، قال : كنت مع عليٍّ عليهالسلام في أرضٍ وهو يحرثها حتّى جاء أبو بكر وعمر ، فقالا : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اللّه وبركاته ، فقيل : كنتم تقولون له في حياة رسول اللّه صلىاللهعليهوآله ذلك ، فقال عمر : هو الذي أمرنا(٣) .
(١) كتاب جمل من أنساب الأشراف ٢ : ٢٦٠ و٢٦١ .
(٢) تاريخ المدينة المنوّرة ٢ : ٦٧٧ ، الاستيعاب ٣ : ١١٥٠ ، الطبقات الكبرى ٣ : ٢٨١ وفيها عن مغيرة .
(٣) انظر : اليقين : ١٣٣/٤ ، وكشف الغمّة ١ : ٣٤٢ ، والأربعين للشيرازي : ٨٢ ، وألقاب الرسول وعترته : ١٦٩ ، وفيها : عن ابن مردويه .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
