أثناء مقالته مع معاوية في أمر عليٍّ عليهالسلام ، وترك القوم إتّباعه وتمسّكهم بأبي بكر وعمر ، وكون أهل الحقّ قليلين ـ : يا معاوية ، قال اللّه تعالى : «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ»(١) ونحو ذلك ، وقال : «وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين»(٢) وأمثاله ، فالمؤمن في الناس قليل ، ثمّ قال : ولا عجب ممّا صدر من الاُمّة بعد نبيّهم ، فإنّ أمر بني إسرائيل أعجب ، حيث آمنوا بموسى عليهالسلام وصدّقوه واتّبعوه ، فأقطعهم البحر ، وأراهم الأعاجيب وهم مصدّقون به ومقرّون له بدينه وكتابه ، فمرّ بهم على قوم يعبدون أصناماً لهم ، فـ : «قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ»(٣) ، ولمّا غاب عنهم أيّاماً معدودة وفيهم هارون نبيّهم وخليفة موسى عليهالسلام فتركوه ، واتّخذوا العجل فعكفوا عليه جميعاً ، غير هارون وأهل بيته ، فاحتذت هذه الاُمّة أيضاً ذلك المثال ، حتّى لم يبق منهم على ما عاهدوا عليه نبيّهم غير صاحبنا الذي هو من نبيّنا بمنزلة هارون من موسى(٤) ، الخبر .
والأخبار من هذا القبيل عديدة مرّت بعضها ويأتي بعض ، وقد مرّت حكمة اُخرى في هذا التعبير عن عليٍّ عليهالسلام في الباب الخامس من المقدّمة ، فافهم حتّى تعلم أنّ الذي ذكرناه يدلّ أيضاً على بطلان احتمال كون المراد بهذا التشبيه محض خلافته في غزوة تبوك ، كما مرّ أنّه ممّا توهّمه بعض جهلة المخالفين(٥) ، وأنّه واضح البطلان ؛ إذ مع هذا نقول أيضاً : إنّ هذه الأخبار لاسيّما قوله صلىاللهعليهوآله : «حتّى لو دخلوا جُحْر ضبّ لدخلتموه»(٦) ، تنادي بلزوم تحقّق نظير عبادة العجل ومتابعة السامريّ ، واستضعاف هارون في
(١) سورة سبأ ٣٤ : ١٣ .
(٢) سورة يوسف ١٢ : ١٠٣ .
(٣) سورة الأعراف ٧ : ١٣٨ .
(٤) كتاب سليم بن قيس ٢ : ٨٤٢ ـ ٨٤٣ ، الاحتجاج ٢ : ٥٩ ـ ٦٠ ، العدد القويّة : ٤٨ .
(٥) راجع ص ٣٣٠ .
(٦) الإفصاح في الإمامة : ٥٠ ، دعائم الإسلام ١ : ١ ، مجمع البيان ٣ : ٤٩ ، مسند أحمد ٢ : ٦٢٧/٨١٤٠، ٣ : ٣١٢/١٠٢٦٣، ٥٠٥/١١٣٩١، ٣ : ٥١٣/١١٤٣٣ ، سنن ابن ماجة ٢ : ١٣٢٢/٣٩٩٤ ، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ٩ : ٢٨٦ بتفاوت فيها .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
