فلنختم هاهنا وإن أمكن البسط والتطويل ونقل سائر الأخبار والآثار الواردة في هذا المقام ؛ لكفاية ما ذُكر لكلّ من أراد تحقيق الحقّ ، لكنّ العجب من هؤلاء المخالفين كيف طاوعتهم أنفسهم مع ادّعائهم الفضل والكمال أن يبدوا في مقابلة تلك الدلائل والبراهين احتمالات يحكم كلّ عقل باستحالتها ، كما تبيّن ممّا أسلفناه ، ولو كان مجرّد التمسّك بذيل الجهالات والالتجاء إلى الاحتمالات ممّا يكفي لدفع الاستدلالات لم يبق شيء من الدلائل إلاّ ولمباهتٍ فيه مجال ، ولا شيء من البراهين إلاّ ولجاهلٍ فيه مقال ، فكيف يثبتون الصانع ويقيمون البراهين فيه على الملحدين ؟ وكيف يتكلّمون في إثبات النبوّات وغيره من مقاصد الدين ؟ وأعجب من هذا أنّهم مع هذه الحالة في مثل هذا المقام جعلوا مدارهم في حكاية خلفائهم وما يوافق مسالكهم الّتي اعتادوا بها على كمال المسامحة ، وقبول كلّ كذب وباطل لا يرضى به الجاهل فضلاً عن الكامل ، كما مرّ أكثر ذلك سابقاً في أبواب المقدمة كراراً ، ويأتي أيضاً في المقصد الثاني مراراً .
وكفى في ذلك ما مرّ من كثرة أخبارهم مع الآيات ، في ذمّ الرأي والاختلاف ، ومع هذا جعلوا مدارهم عليهما من غير مستند قابل للاستناد ، حتّى باعتراف جماعة منهم ، لاسيّما في مقابل تلك المعارضات .
وكذا ، ما سيأتي من تشبّثهم بصلاة أبي بكر والاستدلال بها على صحّة خلافته ، بل دعوى أفضليّته ، وبآية الغار(١) ، مع ما سيأتي من وضوح ما يرد عليهما .
وكذا ببعض آحاد الأخبار الّتي وضعت في زمان معاوية ، حتّى باعتراف جماعة منهم ؛ بحيث صرّح غير واحد منهم في كثير منها بأنّها مكذوبة موضوعة ، لاسيّما في مقابلة أخبار كثيرة اتّفق على نقلها ، بل وتصحيحها المخالف والمؤالف ، ومع هذا لم يلتفتوا أصلاً إلى قوادحها مطلقاً ، حتّى أنّ من أعجب العجائب أنّهم كثيراً ما يتعرّضون لقدح تلك الثابتات والإيراد عليها وكذا ، على استدلالات الشيعة بما هو المتّفق عليه
(١) سورة التوبة ٩ : ٤٠ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
