وخامساً : ما مرّ أيضاً من الأخبار الكثيرة المشتملة على بخبخة عمر(١) ؛ ضرورة أنّ مثل هذا لا يقال عادة إلاّ في مثل هذا الأمر العظيم ، لاسيّما في مثل هذا المقام وبالنسبة إلى هذا القول ؛ لظهور أنّ سائر معاني المولى ليست بهذه المثابة ، ولا ينافي هذا ما صدر منه فيما بعد ؛ إذ لم يكن معصوماً لا تجوز عليه المخالفة ، ولا الحسد ، والخيانة ، لاسيّما عند توقّع الحكومة ، أليس هو وغيره ممّن بايعوا النبيّ صلىاللهعليهوآله في الحديبيّة على الموت وأن لا يفرّوا أبداً ؟ وقد فرّ هو وهُم بعد ذلك مراراً وكراراً ، ألا ترى ما فعل إخوة يوسف عليهالسلام وقابيل وأمثالهما ، ألم يكن هذا الرجل هو الذي قد هجم على عليٍّ وفاطمة عليهماالسلام في بيتهما ، حتّى أراد قتل عليٍّ عليهالسلام عند امتناعه عن مبايعة أبي بكر ؟ ! كما سيأتي في حكاية بيعة السقيفة ، مع أنّه بعد ما تمكّن على حكومته كان يقول صريحاً ـ كما مرّ في المقام الثاني ـ : إنّ عليّاً عليهالسلام مولاي ومولى كلّ مؤمن ، ألم يكن عليٌّ عليهالسلام يوم الهجوم وإرادة قتله مولاه ولو بمعنى غير الإمامة ؟ ألم يكن ذلك الفعل به عين الخذلان ؟ أكانت المولويّة مسلوبة عن عليٍّ عليهالسلام عنده وعند أمثاله بأيّ معنى كانت وقت المشاورة ومنازعة الأنصار في السقيفة ، بحيث لم يعبؤوا به أصلاً ، ولم يذكروا اسمه أبداً ، ولا أقلّ من مشاورته ، فأيّ استبعاد من مثل هذا الرجل أن يقول ذلك اليوم لعليٍّ عليهالسلام ذلك الكلام تملّقاً ومصلحةً ؛ حيث شاهد أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله نصّ على حكومته ولم يكن جازماً بتمكّنه من التغيير عنه ، ثمّ عند حصول الفرصة وغلبة الهوى قضى وطره .
ولنعم ما قال الغزالي في كتاب سرّ العالمين في مقالته الرابعة الّتي وضعها لتحقيق أمر الخلافة ، حيث قال ـ بعد عدّة من الأبحاث ، وذكر الاختلاف ـ : لكن أسفرت الحجّة وجهها وأجمع الجماهير على متن الحديث من خطبة النبيّ صلىاللهعليهوآله في يوم غدير خُمّ باتّفاق الجميع وهو يقول : «من كنت مولاه فعليٌّ عليهالسلام مولاه» ، فقال عمر : بخٍّ بخٍّ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي ومولى كلّ (مؤمن ومؤمنة)(٢) ، فهذا تسليم ورضى
(١) راجع ص ٢٩٧ و٢٥١ . . .
(٢) راجع ص ٢٠٩ هامش (٢) و٢١٥ و١٩٩ .
(٣) بدل ما بين القوسين في المصدر «مولى» بدل «مؤمن ومؤمنة» .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
