أراد ذلك لأوضحه ، بأن يقول قولاً لا يقع فيه التأويل ، وكذا لم يُرد بقوله تعالى : «وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ»(١) أنّ كلّ قاتلٍ للمؤمن ففي جهنّم ، كانت معه أعمال صالحة أم لا ؛ لأنّه لم يبيّن ذلك بقولٍ لا يحتمل التأويل .
وإن كنت أشعريّاً لزمك ما لزم المعتزلة بما ذكرناه كلّه ؛ لأنّه لم يبيّن ذلك بلفظٍ يفصح عن معناه الذي هو حقٌّ عندك .
وإن كنت من أصحاب الحديث قيل لك : يلزمك أن لا يكون النبيّ صلىاللهعليهوآله قال : «إنّكم ترون ربّكم كما ترون القمر في ليلة البدر»(٢) ولا يمكنك التمسّك به ؛ لأنّه قول يحتمل التأويل ، حيث لم يفصح به بأن يقول : ترونه بعيونكم لا بقلوبكم ، فلمّا كان يحتمل التأويل ولم يكن مفصحاً علمنا أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله لم يعن به الرؤية الّتي ادّعيتموها ، قال : وهذا اختلاط شديد ؛ لأنّ أكثر الكلام في القرآن وأخبار النبيّ صلىاللهعليهوآله بلسان عربيّ ومخاطبة لقوم فصحاء على أحوال تدلّ على مراد النبيّ صلىاللهعليهوآله .
وربّما وكل علم المعنى إلى العقول بأن تتأمّل الكلام وتفهمه بالقرائن وأمثالها ، ولا أعلم عبارة عن معنى فرض الطاعة أوكد من قول النبيّ صلىاللهعليهوآله : «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟» ثمّ قوله : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» لأنّه كلام مرتّب على إقرار المسلمين بالطاعة للنبيّ صلىاللهعليهوآله (٣) . ويلزم منه ما ذكرناه كما ظهر .
أقول : وقد أوردنا نحن سابقاً ما يدلّ صريحاً على أنّ الواجب كان الإتيان بلفظة «المولى» دون غيرها ، وإنّها دالّة على معنى الإمامة وإن لم يكن معها قوله : «ألست أولى» ولا غيره ، وبيّنّا أيضاً أنّ هذا الإيراد بعينه مقلوب على صاحبه من غير أن يكون له جواب عنه ؛ لكمال وضوح أن لو كان مراد
(١) سورة النساء ٤ : ٩٣ .
(٢) الجامع الصحيح (سنن الترمذي) ٤ : ٦٨٩/٢٥٥٤ ، تأويل مختلف الحديث : ١٩١ ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم : ٢٠١/٤٦١ ، المبسوط للسرخسي ١ : ١٤٢ .
(٣) معاني الأخبار : ٦٧/٨ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
