النبيّ صلىاللهعليهوآله خلاف ما بيّنّا أنّه الظاهر المتبادر فَلِمَ لم يأتِ به صريحاً مفصحاً ، بل أتى بشيء يحتاج إلى التأويل البعيد والصرف عن الظاهر ، بل الصريح ، وذكرنا أشياء أُخَر أيضاً ، حتّى أشرنا إلى أنّ معنى أولى بالنفس فوق ما ذكره الصدوق رحمهالله كما سيأتي صريحاً ، فتذكّر .
ثمّ إنّه قد ذكر السيّد المرتضى ، وغيره أيضاً نبذاً من الإفادات المتعلّقة بهذا المسلك وإن كان مرجع بعضها إلى ما نقلناه عن الصدوق أو ما بيّنّاه سابقاً ، ولا بأس إن نقلناها توضيحاً للحال .
قال المرتضى رضىاللهعنه في الشافي : أمّا الدلالة على أنّ المراد بلفظة «مولى» في خبر الغدير : الأولى ، فهو : أنّ من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرّحة وعطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدّم التصريح به ولغيره لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلاّ المعنى الأوّل ، يبيّن صحّة ما ذكرناه أنّ أحدهم إذا قال مقبلاً على جماعة مفهماً لهم وله عدّة عبيد : ألستم عارفين بعبدي فلان ؟ ثمّ قال عاطفاً على كلامه : فاشهدوا أنّ عبدي حُرٌّ لوجه اللّه ، لم يجز أن يريد بقوله : «عبدي» بعد أن قدّم ما قدّمه إلاّ العبد الذي سمّاه في أوّل كلامه دون غيره من سائر عبيده ، ومتى أراد سواه كان عندهم لغواً خارجاً عن طريق البيان .
ثمّ اعترض : بأنّ ما ذكرتم من المثال إنّما يقبح أن يريد غير ما مهّده(١) سابقاً من العبيد ؛ لأنّه حينئذٍ تكون المقدّمة لغواً لا فائدة فيها ، وليس الأمر في خبر الغدير كذلك ؛ لأنّه يمكن أن يكون المعنى : إذا كنت أولى بكم وكانت طاعتي واجبة عليكم فافعلوا كذا وكذا ، فإنّه من جملة ما آمركم فيه بطاعتي ، وهذه عادة الحكماء فيما يلزمونه من يجب عليه طاعتهم ، فافترق الأمران .
ثمّ أجاب : بأنّه لو كان الأمر على ما ذكرت ، لوجب أن يكون متى حصل في المثال الذي أوردناه فائدة لمقدّمته وإن قلّت ، أن يحسن ما حكمنا بقبحه ووافقتنا عليه ، ونحن نعلم أنّ القائل إذا أقبل على جماعة ، فقال :
(١) في «م» : «فهّمه» .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
