ضياء خلاف ما هو عليه وإن كان بيّناً واضحاً كما قال الشاعر :
وجُحود مَن جحد الصباحَ إذا بدا من بعدِ ما انتشرت له الأضواء
ما دلّ أنّ الصبح ليس بطالع لكنّ عيناً أنكرت عمياء(١)
ولهذا ترى هؤلاء القوم ، حيث إنّهم قالوا بتقديم غير عليٍّ عليهالسلام عليه ، لما رسخ في ذهنهم من صحّة ما صدر من سلفهم ، قد تمسّكوا بالتعصّب ، سيّما في هذا المقام ، بحيث تشبّثوا بما لا يقبله فهم أدنى ذوي الأفهام .
فمرّة شرع بعضهم في التمويه بما يقدح به حصول القطع بثبوت أصل الحديث ، مع أنّ ذلك كما بيّنّاه سابقاً كالشمس في رابعة النهار ، حتّى أنّ ثبوت ورود أصل «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه» ولو في غير الغدير ممّا لا مجال للكلام فيه ، وقد ظهر كفايته للمراد .
ومرّة شرعوا في التشكيك بما مرّ آنفاً ، مع أنّا بيّنّا أنّه ظاهر السخافة أيضاً ، حتّى أنّ لنا أن نقول : إذا بنيتم أمركم على التشكيك وإن كان واضحاً فساده ، فلو أتى النبيّ صلىاللهعليهوآله بلفظة الإمام أو الخليفة وأشباههما لقلتم أيضاً مراده غير الرئاسة التي جعلتموها لأبي بكر ، كما قلتم فيما مرّ من وصاية عليٍّ عليهالسلام ، مع كونه ظاهر الفساد ، كما تبيّن في محلّه . أوَ ليس النبيّ صلىاللهعليهوآله قد أتى بلفظة الخليفة فيما مرّ من أحاديث الثقلين ، بل في خصوص عليٍّ عليهالسلام أيضاً كما مرّ ويأتي ؟ أوَ لم يقل في عليٍّ عليهالسلام أنّه الإمام وأنّه أمير المؤمنين وأمثالهما ، كما سيأتي مفصّلاً ؟ فلِمَ لم تعملوا بذلك مع كثرة تلك الأخبار أيضاً سيّما بعد ضمّ بعضٍ مع بعضٍ لفظاً ومعنىً ، حتّى أنّكم أوّلتموه ـ كما سيتّضح في محلّه ـ بما هو أوهن من بيت العنكبوت ، فهكذا هاهنا أيضاً ، أوَ لستم تلتجؤون هاهنا مرّة بأنّ المراد بالمولى الناصر ، ومرّة بأنّ المراد به المحبّ ، ومرّة بأنّ المراد بيان فضل عليٍّ عليهالسلام وجلالته ولزوم موالاته
(١) قائله ناصح الدين الأرجاني ، انظر : ديوانه ١ : ٦٦ ، وفيه : «بل إنّ» بدل «لكن» . وهو أحمد بن محمّد بن الحسين الشافعيّ ، يكنّى أبا بكر ، الملّقب ناصح الدين ، كان قاضي تستر ، شاعر زمانه ، وله ديوان . توفّي سنة ٥٤٤ هـ . انظر : وفيات الأعيان ١ : ١٥١/٦٣ ، وسير أعلام النبلاء ٢٠ : ٢١٠/١٣٤ ، والكامل لابن الأثير ١١ : ١٤٧ ، والمنتظم ١٨ : ٧٢/٤١٥٩ ، ومرآة الجنان ٣ : ٢١٥ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
