النبيّ صلىاللهعليهوآله كان يَخبر بها أحياناً ويُظهرها تدريجاً وإجمالاً إلى أن ذكرها في الغدير صريحاً وتفصيلاً .
ومنها : ما هو المشهور من شعر حسّان بن ثابت الصحابي(١) ، الصريح في وقوع ذلك .
وأمثال هذه القرائن كثيرة غير خفيّة على الناقد الخبير .
فعلى ما بيّنّاه وأوضحناه ظهر عياناً أنّ من أعمى اللّه قلبه فمال إلى إنكار هذا الخبر أو موّه في ثبوته أو تواتره أو أغمض عن ذكره وبيانه ، فإنّما مبنى كلامه على ما قدّمناه في المقدّمة من عدم تخلية النفس لتحقيق الحقّ والإنغمار في ظُلم الشبهة الخفيّة التي منها ما هو الدائر بينهم من متابعة أسلافهم فيما مضوا عليه من زعمهم صحّة ما بنى عليه الصحابة في السقيفة ، ومن تصويب آرائهم ، وتحسين أفعالهم وأحوالهم جميعاً مع أنّ ذلك عين المصادرة ، بل محض المكابرة في مقابل الكتاب والسنّة ، كما مرّ مراراً ، ويأتي أيضاً مفصّلاً .
ومنها : ما جرت عليه عادتهم من الإغماض عن الغور في تنقيح ما يدلّ على خلاف ما زعموه حقّاً وإن كان زعماً ضعيفاً ، كما أنّهم كذلك في قبول ما يوافق زعمهم ، حتّى أنّه مهما يكون شيء ظاهراً في الإفساد لما زعموه ولم يمكنهم إنكاره التزموا صريحاً لزوم السكوت عنه ، وترك التدبّر فيه من غير أن يتوجّهوا إلى أنّ مثل هذا ليس بحجّة عند اللّه يوم يسأل العباد عمّا أوضحه من سبيل الرشاد كما قال سبحانه : «وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتبَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ»(٢) .
وبالجملة : إنّ مناط صحّة الشيء عندهم وسقمه موافقته لما تقتضيه آراؤهم وأهواؤهم ومخالفته لذلك وإن لم يكن واقعاً كذلك . وكفى في تبيان وجود هذه الحالة فيهم ما ذكرناه في أبواب المقدّمة لاسيّما في باب تمسّكهم بالرأي وتشبّثهم بخبر «اختلاف اُمّتي رحمة»(٣) ، مع كثرة ما ذكروه
(١) تقدّم تخريجه في ص ٢١٣ .
(٢) سورة البيّنة ٩٨ : ٤ .
(٣) جامع الأحاديث ١ : ١٢٤/٧٠٦ ، الفتح الكبير ١ : ٥٦ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
