فحينئذٍ لا يخلو أهل هذا الاعتذار إمّا أن يقولوا بأنّ ذلك لم يثبت عند أُولئك الجماعة ، وذلك عين الاعتراف بما ذكرناه من أنّ الشبهة قد تمنع عن قبول الضروريّات فضلاً عن المتواترات . أو يقولوا بأنّهم أوّلوا ذلك وحملوه على غير مفاده الواقعي ، وذلك أيضاً مثل الشقّ السابق في كونه عين الاعتراف بكون الشبهة من عوائق قبول الحقّ وإن كان جليّاً واضحاً ، بل واصلاً إلى حدّ الضرورة ؛ ضرورة عدم فرقٍ فيما ورد من المدائح ووجوب الحبّ بين اللفظ والمعنى في وضوح الوصول إلى حدّ الضرورة واليقين الذي لا يتطرّق إليه التأويل أصلاً ، كما ينادي به اعتراف كافّة سائر الاُمّة بهما جميعاً من غير شكّ ولا ارتياب ؛ بحيث حَكم جمّ غفير منهم بضلال أُولئك القوم وعنادهم ، وكفى في ذلك ادّعاؤهم توبة عائشة وطلحة والزبير .
فعلى ما تبيّن ممّا أوضحناه عدم قبول المتواتر ، وإنكار الثابت ، وتأويل الواضحات البيّنة بمحض شبهةٍ وإن كانت واهيةً ، ليس بعزيز الوجود ، بل شائع ذايع صادر من أقوام حتّى بمحض الحميّة والعصبيّة ، وحينئذٍ نقول : قد ذكرنا أنّ العلم بالخبر قد يحصل بالتواتر ، وقد يحصل بالقرائن القاطعة ، وقد اجتمع في خبر الغدير كلاهما فضلاً عن ورود أصل قوله صلىاللهعليهوآله : «من كنت مولاه فعليٌّ مولاه»(١) وما بمعناه حيث ذكره مَنْ لم يذكر خبر الغدير أيضاً ، كما تبيّن .
أمّا تواتره فهو ممّا لا يخفى على من لاحظ ما ذكرناه في المقام الأوّل وبيّنّاه آنفاً ؛ ضرورة حكم العقل صريحاً ، وقضاء العادة يقيناً بعدم احتمال اتّفاق مثل هذا الجمّ الغفير ، واصرار هؤلاء الجمع الكثير على النقل والتصحيح لشيءٍ غير ثابتٍ ، بل غير أصيلٍ ، يجدون سبيلاً إلى نفيه وإنكاره ، لاسيّما مع كونه مشتملاً على خلاف ما هم عليه ، حتّى احتاجوا إلى ارتكاب التكلّف في التوجيه ، والتزام التأويل البعيد ، والتمويه كما سيظهر .
(١) تقدّم تخريجه مراراً .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
