كلامه .
وقد مرّ في ضمن نقل الأخبار ما ذكره الرازي في أربعينه من قوله بعد ذكره الحديث كذا : «ألست أولى بكم» إلى آخره : إنّ هذا خبر أجمعت الأُمّة على قبوله(١) .
وأقول : لا حاجة لنا في إثبات قطعيّة هذا الخبر إلى إثبات الإجماع ؛ لأنّ العلم بالخبر قد يحصل بالتواتر ، وقد يحصل بالقرائن القاطعة وإن لم يكن متواتراً ، وفي كليهما قد لا يحصل العلم لآخَر ؛ لاعتقاده أوّلاً بما ينافيه لأجل شبهة أو لعدم تخلية النفس ونحوهما ، ألا ترى أنّ كثيراً من الناس مثل السوفسطائيّة وأشباههم أنكروا البديهيّات الأوّليّة مع جلائها ووضوحها وغنائها عن جميع ما هو خارج عنها ، حتّى أنكروا وجود الموجودات العينيّة بمحض وقوعهم في بعض الشبه الواهية ، ألا تنظر إلى اليهود والنصارى وأشباههم من الكفرة كيف ينكرون كثيراً من معاجز النبيّ صلىاللهعليهوآله وأوصافه الثابتة قطعاً ، المتواترة عندنا جزماً بمحض شبهة اعتقادهم حقّيّة ما هُم عليه ، بل كثيراً ما يرى الإنسان من حال نفسه أو غيره أنّه قد يرسخ في ذهنه شيء خلاف الواقع كخبرٍ سمعه أو خيالٍ تخيّله أو رأي أختاره وأمثال ذلك ، ولو بسبب شبهة ضعيفة ، فيربو على التدريج حتّى يصير عنده قطعيّاً بحيث لو قامت على خلافه البراهين القطعيّة أو الأخبار المتواترة لم يزل عنه ، ولم يبال بإنكار جميع المعارضات ، حتّى إذا نزل عن حالته بجهة من الجهات التي منها : العزم على ملاحظة ما هو الحقّ بعد تسوية الطرفين ، فحينئذٍ قد يصير بحيث يتعجّب من قبوله ذلك الشيء في ذلك الحين فضلاً عن الجزم به .
وكفى في هذا ما يشاهد في كثير من الناس من ترجيح مقتضى محض تخيّلات الواهمة على القطعيّات العقليّة في العمل مع علمهم بصحّة خلافه ، واعترافهم بذلك ، كالفرار من الميّت مع الجزم بعدم صدور شيءٍ منه ، والحرص على الحرام والدنيا مع التيقّن بالموت والعذاب وأشباه
(١) الأربعين للرازي ٢ : ٢٨٢ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
