والضرب الآخر : يعتبر فيه اتّصال الأسانيد كأكثر أخبار الشريعة ، وقد اجتمع في خبر الغدير الطريقان معاً .
قال : وممّا يدلّ على صحّته إجماع علماء الاُمّة وإطباقهم على قبوله ، ولا شبهة فيما ادّعيناه من الإطباق ؛ لأنّ الشيعة جعلته الحجّة في النصّ على عليٍّ عليهالسلام بالإمامة ، ومخالفو الشيعة تأوّلوه على خلاف الإمامة على اختلاف تأويلاتهم ، كما سيظهر .
وما نعلم أنّ فرقة من فِرَق الاُمّة ردّت هذا الخبر واعتقدت بطلانه وامتنعت من قبوله ، وما تجمتع الاُمّة عليه لا يكون إلاّ حقّاً عندنا وعند مخالفينا وإن اختلفنا في العلّة والاستدلال .
قال : وأمّا ما حكي عن ابن أبي داود السجستاني في دفع الخبر ، وحكي عن الخوارج مثله ، وطعن الجاحظ في كتاب «العثمانية» فيه .
فنقول : أوّلاً أنّه لا اعتبار في باب الإجماع بشذوذ كلّ شاذّ عنه ، بل الواجب أن يعلم أنّ الذي خرج عنه ممّن يعتبر قوله في الإجماع ، ثمّ يعلم أنّ الإجماع لم يتقدّم خلافه ، فابن أبي داود والجاحظ لو صرّحا بالخلاف لسقط خلافهما بما ذكرناه من الإجماع ، على أنّه قد قيل : إنّ ابن أبي داود لم ينكر الخبر وإنّما أنكر كون المسجد الذي بغدير خمّ متقدّماً .
وأمّا الجاحظ فلم يتجاسر أيضاً على التصريح بدفع الخبر ، وإنّما طعن في بعض رُواته ، وادّعى اختلاف ما نقل من لفظه .
وأمّا الخوارج فما يقدر أحد على أن يحكي عنهم دفعاً لهذا الخبر ، أو امتناعاً من قبوله ، وهذه كتبهم ومقالاتهم موجودة معروفة ، وهي خالية عن ذلك ، والظاهر من أمرهم حملهم الخبر على التفضيل وما جرى مجراه من صنوف تأويل مخالفي الشيعة ، وإنّما توهّم بعض الجهلة فيهم هذه الدعوى ؛ لما ظهر منهم فيما بعد من القول الخبيث في أمير المؤمنين عليهالسلام ، وظاهر أنّ انحراف الخوارج إنّما كان بعد التحكيم للسبب المعروف ، وإلاّ فاعتقادهم إمامته وفضله وتقدّمه قد كان ظاهراً عندهم(١) . انتهى خلاصة
(١) الشافي في الإمامة ٢ : ٢٦١ ـ ٢٦٥ ، وانظر : العثمانيّة : ١٤٤ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
