وبالجملة : أصل خلوّ تلك البيعة عن التمسّك بأهل البيت والعترة لاسيّما عليّ عليهالسلام مطلقاً حتّى في المشاورة ممّا لا يمكن لأحدٍ إنكاره ، بل أصل استنكاف عليٍّ عليهالسلام عن فعلهم هذا أيضاً ، وعدم صدور البيعة منه مدّةً كالشمس في رابعة النهار ، كما سيأتي أنّه صريح جميع كتبهم حتّى صحيح البخاري ومسلم(١) ، مع كمال جدّهما في ترك ذكر أمثال هذا ، وهكذا عدم تمسّكهم بالقرآن أيضاً في تلك البيعة معلوم واضح .
أمّا أوّلاً : فلأنّ أحداً ممّن نقل تلك الواقعة لم يذكر أصلاً أنّ أحداً من حُضّار ذلك المجلس أتى بكلام يدلّ على لزوم التمسّك في أمرهم ذلك بما يدلّ عليه القرآن فضلاً عن إيراد آيةٍ لهم ولو من المتشابهات .
وأمّا ثانياً : فلأنّ محض عدم إظهار عليّ عليهالسلام صحّة فعلهم حين سمع بذلك كافٍ في الدلالة على عدم استنادهم أيضاً إلى الكتاب لاسيّما إذا اُضيف إلى ذلك ما هو ثابت أيضاً من استنكاف عليٍّ عليهالسلام عن فعلهم ، وتركه البيعة والدخول في أمرهم ولو ساعة فضلاً عن إظهاره المخالفة ، وعدم الرضا مدّةً ، بل تمام عمره ؛ ضرورة مناداة ما ظهر من هذين الحديثين ـ من عدم مفارقة الحقّ والكتاب عليّاً عليهالسلام ، وعدم مفارقته هو إيّاهما ـ بأنّ هذا الفعل منهم كان على خلاف ما هو الحقّ وما في الكتاب ، وإلاّ لزم عدم صدق ما في الخبرين من وجود الملازمة بين الكتاب وأهل البيت عليهمالسلام أبداً ، وعدم مفارقة عليٍّ عليهالسلام الحقّ أصلاً .
وأمّا ثالثاً : فلأنّ كلّ من تتبّع آيات الكتاب على بصيرةٍ وأنصافٍ قطع وجزم بعدم وجود آية محكمة تكون نصّاً أو ظاهرةً في صحّة فعلهم ذلك ، لا بالنسبة إلى خصوص أولويّة أبي بكر من عليٍّ عليهالسلام في التقديم والطاعة ، ولا بالنسبة إلى صحّة اختيار الناس رجلاً لقيامه مقام النبيّ صلىاللهعليهوآله بآرائهم لاسيّما غير من ثبت أمر النبيّ صلىاللهعليهوآله بالتمسّك به ، ولا بالنسبة إلى صحّة مطلق ما يختاره جماعة من الأُمّة ، بل أكثر الناس أيضاً بحسب اقتضاء رأيهم واستحسانهم ، بل الأمر بالعكس في الجميع .
(١) صحيح البخاري ٥ : ١٧٧ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٨٠/١٧٥٩ ، الجمع بين الصحيحين ١ : ٨٦ ، الكامل لابن الأثير ٢ : ٣٢٥ ، تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٢٦ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
