من ادّعى التمسّك بالقرآن من سائر فِرَق الإسلام ، ومع هذا فمن الواضحات بالأخبار الثابتة ، بل المتواترة ـ كما بيّنّاه فيما سبق ـ أنّ الناجي منهم فرقة واحدة(١) ، وظاهر أنّ الهلاكة إنّما هي نتيجة الوقوع في الضلالة بأيّ نحو كان .
وأمّا ثانياً : فلظهور عدم بقاء فائدة تامّة حينئذٍ لإيراد قوله صلىاللهعليهوآله : «أهل بيتي» بعد قوله : «عترتي» ، فتأمّل صادقاً حتّى يظهر لك ، أنّه يكفي ـ بناءً على ما أوضحناه ـ أخذ كلّ شيء من العالم المذكور ولو بدون المراجعة إلى الكتاب أصلاً ؛ ضرورة أنّ مثل هذا العالم لا يحتمل فيه الخطأ والكذب ؛ لما هو ظاهر من أنّ منشأ الوقوع في ذلك إنّما هو الفتوى مع الجهل بالشيء ، أو العمل بالرأي ، أو عدم التديّن والورع ، وقد تبيّن انتفاء (جميع ذلك)(٢) عن العالم المذكور .
هذا ، مع أنّ أكثر المكلّفين لا ينتفعون من القرآن غير العبارة ، بل كثير منهم محرومون عن ذلك أيضاً ، فلو لم يكن العالِم المذكور كافياً عنه لزم الحرج المنفي في الدين ، على أنّ صحّة رجوع الجاهل إلى العالم في الجملة متّفق الكلّ ، بل معلوم بالضرورة الدينيّة ، وحينئذٍ يظهر من هذا أيضاً ما ظهر ممّا مرّ سابقاً وآنفاً من لزوم وجود العالِم المذكور في كلّ عصر ما دام التكليف ولو واحداً بعد واحدٍ ، حتّى أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآله قد أشار إلى هذا صريحاً أيضاً في قوله : «وإنّهما لن يفترقا» إلى آخره ، كما قد أشار به أيضاً إلى نفع كلٍّ منهما للآخَر ، وعدم ترك أحدٍ منهما صاحبه أبداً .
ولا يخفى أنّه حينئذٍ يلزم أيضاً أن يكون كلٌّ منهما مرشداً إلى الآخَر ، ودالاًّ إليه ، ومبيّناً لما فيه ، وعلى هذا فعلامة من وجب التمسّك به كالقرآن في كلّ زمان بنصّ هذا الحديث أن يكون رجلاً من أهل البيت قادراً على تفسير كلّ القرآن ، واستنباط جميع الأحكام منه من غير احتياجٍ له إلى التمسّك بالرأي وأمثاله ، صالحاً صادقاً في أقواله وأفعاله ، وأن يكون في
(١) إشارة إلى حديث : «ستفترق أُمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقة . . .» وقد تقدّم تخريجه غير مرّة .
(٢) بدل ما بين القوسين في «م» : ذلك جميعاً .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
