وقد اعترف بما يفيد هذا المفاد سعدالدين التفتازاني في شرح المقاصد مع كونه معدوداً عند العامة من أفاضلهم ، حيث قال عند ذكره أحاديث الثقلين : فإن قيل : مثل هذا يشعر بفضلهم ـ يعني : العترة ـ على العالم وغيره . قلت : نعم ، لاِتّصافهم بالعلم والتقوى مع شرف النسب ، ألا ترى أنّه صلىاللهعليهوآله قرنهم بكتاب اللّه في كون التمسّك بهم منقذاً من الضلالة ، ولا معنى للتمسّك بالكتاب إلاّ الأخذ بما فيه من الهداية ، فكذا في العترة(١) ، انتهى ، فافهم .
وإن أردت التوضيح فاعلم أنّه من المعلوم الواضح ـ كما بيّنّا في فاتحة هذا الكتاب ، والمقالة السابقة ، بل غيرها أيضاً ـ أنّ القرآن منفرداً لا يفيد لسائر الناس في جميع ما يحتاجون إليه من اُمورهم ، بل لابدّ معه من المعلّم العالم به ، مثل النبيّ صلىاللهعليهوآله ، ولهذا كما كان الناس في زمان النبي صلىاللهعليهوآله يسألونه عمّا يحتاجون إليه ممّا لم يفهموه من الكتاب ، وكان هو والكتاب حجّة في زمانه ، صرّح صلىاللهعليهوآله في هذا الحديث : بأنّ عترته أيضاً كذلك من بعده ، كما ينادي به قوله صلىاللهعليهوآله : «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي : كتاب اللّه وعترتي»(٢) إذ حيث علمنا أنّ كتاب اللّه وحده لا يكفينا في كلّ شيء ، عرفنا أنّه صلىاللهعليهوآله جعل العترة عليهمالسلام بمنزلة نفسه في الفهم والإفهام ، وكونهم حجّة ـ واجبة التمسّك والإطاعة لسائر الأنام ، كما هو بعينه معنى الإمام .
ثمّ إنّه من المعلوم أيضاً أن ليس مراده صلىاللهعليهوآله أيّ واحدٍ كان من العترة ؛ ضرورة وجود الجهّال وأمثالهم ممّن لا علم له بكثيرٍ من المسائل فيهم كثيراً
(١) الأربعين للشيرازي : ٣٦٣ .
(٢) شرح المقاصد للتفتازاني ٥ : ٣٠٢ ـ ٣٠٣ .
(٣) قد ورد هذا الحديث في مواضع عديدة بألفاظ مختلفة ، وتقدّم تخريجه غير مرّة ، وانظر : الإرشاد للمفيد ١ : ٢٣٣ ، معاني الأخبار : ٩٠ ، بصائر الدرجات : ٤٣٣/٣ ، الأمالي للطوسي : ١٦١/٢٦٨ ، و٥٤٥/١١٦٨ ، بحارالأنوار ٤٧ : ٣٩٩ ، مسند أحمد ابن حنبل ٣ : ٣٨٨/١٠٧٢٠ ، سنن الترمذي ٥ : ٦٦٣/٣٧٨٨ ، سنن الدارمي ٢ : ٤٣٢ ، المؤتلف والمختلف ٢ : ١٠٤٦ ، و٤ : ٢٠٦١ ، المعجم الكبير ٣ : ٦٣/٢٦٧٩ ، كتاب السنّة لابن أبي عاصم ٢ : ٦٢٩/١٥٤٩ ، شرح أُصول الخمسة : ٥٥١ .
![ضياء العالمين [ ج ٦ ] ضياء العالمين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4694_Dhiae-Alamin-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
