الكتاب
رَبِّ إِنِّي لِمٰا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ١ أَى لأَىّ شىءٍ أَنزلتَهُ إلَىّ من خَيْرٍ قَلِيلٍ أَو كَثِيرٍ مُحْتَاج سَائِل. قالَ أَكثَرُ المُفسِّرِينَ: طَلَبَ من اللّٰهِ طَعَاماً يَأْكلُهُ، فإنَّه مَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ لم يَذُق فيها طَعَاماً إلَّا بَقل الأَرضِ و إنَّ خُضرَتهُ تَتَرَاءَى فى بَطنِهِ من الهزَالِ. وقالَ بَعضُهُم: أَرادَ بالخَيرِ الدِّينِىّ لا الدُّنيَوِىّ، والمَعْنَى: إنِّى فَقِيرٌ من الدُّنيا لأَجلِ ما أَنزَلتَ إلَىَّ من خَيرِ الدِّينِ؛ وذلكَ أَنه كانَ عِندَ فرعونَ فى مُلكٍ وثَرْوَةٍ فأَظهَرَ الرِّضا بهذا البَذلِ شُكْراً للّٰهِ تَعَالَى.
يٰا أَيُّهَا اَلنّٰاسُ أَنْتُمُ اَلْفُقَرٰاءُ إِلَى اَللّٰهِ وَ اَللّٰهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ اَلْحَمِيدُ٢ حَصَرَ تَعَالَى جِنسَ الفُقَرَاءِ فى النَّاسِ مع افْتِقَارِ جَمِيع المُمْكِنَاتِ إليهِ مُبَالغَةً؛ وذلكَ أَنَّ افْتِقَارهم إليه عاجلاً لأُمورِ المَعَاشِ وآجلاً لنَعِيمِ الآخرَةِ أَبيَن من افْتِقَارِ سَائِرِ المَخلُوقِينَ إليهِ، ثمَّ بَيَّنَ أَنَّ فَقرَهُم ليس إلَّاإلى اللّٰه، فَقَابَلَ الفُقَرَاءَ بقَولِهِ: وَ اَللّٰهُ هُوَ اَلْغَنِيُّ، وقَابَلَ قَولهُ: إِلَى اَللّٰهِ بقَولِهِ:
اَلْحَمِيدِ لأَنَّه إذا أَنعَمَ عَلَيهِم اسْتَحَقَّ الحَمْدَ منهم.
تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهٰا فٰاقِرَةٌ٣ أَى تَتَوقَّع أَن يفْعلَ بها فِعلٌ هو بشِدَّتِهِ وفَظَاعَتِهِ «فَاقِرَةٌ» أَى دَاهيةٌ تَقصمُ فِقَارَ الظَّهرِ، أَو هى من قَوْلِهِم: عُملتْ [به] الفَاقِرَة، إذَا فَقَرَ أَنفَ البَعِيرِ كمَا مَرَّ.
وقالَ الكَلْبِىُّ: هى أَن تَحْجُب عن رُؤْيَةِ رَبِّها فلا تنظر إليه.
الأثر
(أَقْرِضْ مِنْ عِرْضِكَ لِيَومِ فَقْرِكَ)٤يُرِيدُ بالفَقْرِ الحَاجَة إلى الثَّوابِ، والمَعْنَى: إن ثَلَبَكَ أَحَد فلا تَشْتَغِل بمعَارضَتِهِ ودَع ذلكَ قَرْضاً عليه لِيَومِ
________________________________________
(١) القصص: ٢٤.
(٢) فاطر: ١٥.
(٣) القيامة: ٢٥.
(٤) غريب الحديث للخطّابى ٣٤٧:٢، الفائق ١٥٣:٣، النّهاية ٢٠٩:٣ و ٤١:٤.
![الطّراز الأوّل [ ج ٩ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4673_Taraz-Awwal-part09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
