بقَطْعِ الهَمْزَةِ١ من النَّظِرَةِ و هى الإمهَال؛ جَعَلَ إمهَالهم فى المُضِىِّ إلى أَن يَلْحَقُوا بهم إنظَاراً لهم. ومَعنَى «نَقْتَبِس من نُورِكُم» نُصِبْ منهُ ونَسْتَضِئُ بِهِ. والقَائِلُ «ارْجِعُوا وَرَاءَكُم» المُؤْمِنُونَ أَو المَلائِكَةُ يَقُولُونَ لهم ذَلِكَ طَرْداً لهم وتَهَكُّماً بهم، أَى ارْجِعُوا إلى المَوْقِفِ حَيثُ أُعْطِينَا هذا النُّورَ فالْتَمِسُوا نُوراً بتَحصِيلِ مَبَادِئِهِ من الإيمَانِ و الأَعمَالِ الصَّالِحَةِ.
وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ٢هُدىً تَهْتَدُونَ به، أَو هو النُّورُ فى قَولِهِ:
وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي اَلنّٰاسِ٣، أَو فى قَوْلِهِ: يَسْعىٰ نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ٤.
يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللّٰهِ بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللّٰهُ إِلاّٰ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ٥ يُرِيدُ أَهلَ الكِتَابَيْنِ أَن يَرُدُّوا القُرآنَ ويُكَذِّبُوهُ، أَو يُبْطِلُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه و آله ومِلَّتَهُ بأَقْوَالِهِم البَاطِلَةِ الخَارِجَةِ من أَفْوَاهِهِم من غيرِ بُرهَانٍ عليها ويَأْبَى اللّٰهُ إلَّاإتمَام نُورِهِ بإعلَاءِ كَلِمَتِهِ وتَبْلِيغِهِ إلى غَايَتِهِ. أَو مُثِّلَتْ حَالَتهُم بحَالِ مَنْ يَنْفَخُ فى نُورِ الشَّمسِ ليُطْفِئهُ ويُزِيلهُ ويَأْبَى اللّٰهُ إلَّادَوامَ دِينه وثَبَاته إلى قِيامِ السَّاعَةِ.
إِنِّي آنَسْتُ نٰاراً٦ أَحسَستُ على بُعْدٍ، أَو تَبَيَّنْتُ نَاراً حَقِيقَةً؛ لأَنَّ الإخبَارِ بغَيرِ المُطَابِقِ كِذْبٌ ولا يَجُوزُ على الأَنبِياءِ. وعن ابنِ عبَّاسٍ: كَانَت عِندَ مُوسَى عليه السلام نَاراً وعِندَ اللّٰهِ نُوراً٧، وعليه فهو من بَابِ إطلاقِ الاسمِ على ما يُشبِه مُسَمَّاهُ فلا يَكُون كَذِباً. وعنه: لمَّا أَتاهَا رَأَى شَجَرَةً خَضْرَاءَ أَطِافَت بها من أَسفَلِهَا إلى أَعلاهَا نَارٌ بَيضَاءُ تَتَّقِدُ كأَضْوَإِ ما يَكُونُ، فَوَقَفَ مُتَعَجِّباً من شِدَّةِ ضَوْئِهَا
________________________________________
(١) كتاب السّبعة: ٦٢٠.
(٢) الحديد: ٢٣.
(٣) الأنعام: ١٢٢.
(٤) الحديد: ١٢.
(٥) التّوبة: ٣٢.
(٦) طه: ١٠، النّحل: ٧، القصص: ٢٩.
(٧) انظر مجمع البيان ٥:٤.
![الطّراز الأوّل [ ج ٩ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4673_Taraz-Awwal-part09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
