قَلْبِ المُؤْمِنِ فَيَنْشَرِح له صَدْرَهُ من الهِدَايَةِ و الإيمَانِ، أَو هو ذَاتُهُ الشَّرِيفَةُ المُقَدَّسَةُ؛ لأَنَّ النُّورَ حَقِيقَةٌ بَسِيطَةٌ مَعنَاهَا بِحَسبِ شَرحِ الاسمِ: الظَّاهِر بذَاتِهِ المُظْهِر لغَيرِهِ، فإطلاقِ النُّورِ عليه جلَّ شَأْنِهِ من جِهَةٍ أَنَّه مِصَدَاقُ مَعْنَاهُ ومَوْضُوعُ مُسَمَّاهُ، لأَنَّه سُبحَانهُ ظَاهِرٌ بِذَاتِهِ مُظْهِرٌ لغَيْرِهِ مُطْلَقاً.
اَللّٰهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمٰاتِ إِلَى اَلنُّورِ١ الآية، أَى مُتَوَلِّى أُمُور الَّذِينَ ثَبَتَ فى عِلمِهِ تَعَالَى إيمَانُهُم حَالاً أَو مَآلاً؛ يُخْرِجُ بهِدَايَتِهِ وتَوْفِيقِهِ كُلّ وَاحِدٍ منهم مِن ظُلَمَاتِ الكُفْرِ و المَعَاصِى والشُّبَه إلى نُورِ الإيمَانِ و الطَّاعَةِ و الإيقَانِ، والَّذينَ ثَبَتَ فى عِلمِهِ تَعَالَى كُفْرُهُم «أَوليَاؤُهُم الطَّاغُوت» وهُم الشَّيَاطِين وسَائِر المُضِلِّينَ يُخْرِجُونهُم بوَسَاوسِهِم وإغرَائِهِم٢ من النُّورِ الفِطْرِى أَو من نُورِ البَيِّنَات الَّتى يُشَاهِدُونهَا من جِهَةِ النَّبِىّ صلى الله عليه و آله بتَنزِيلِ تَمَكُّنهم مِن الاسْتِضَاءَةِ بها مَنْزِلَه نَفْسَهَا إلى ظُلُماتِ الكُفْرِ والانهماك فى الغَىِّ. وقيل: نَزَلَت فى قَوْمٌ ارْتَدّوا عن الإسلام. وإفرَادُ النُّورِ لِوحدةِ الحقّ، كما أَنَّ جَمع الظُّلمَات لتَعَدُّدِ طُرِقِ الضَّلالِ.
وَ جَعَلَ اَلظُّلُمٰاتِ وَ اَلنُّورَ٣ اللَّيْلَ والنَّهَارَ، أَو الشِّركَ و الإسلامَ، أَو الجَهْلَ والعِلْمَ، أَو حَقِيقَة الظُّلمَةِ و النُّورِ؛ رَدّاً لقَوْلِ الزَّنَادِقَةِ: أَنَّ اللّٰهَ تَعَالَى يَخْلُقُ النُّورَ وكُلَّ حَسَنٍ و إبلِيسَ يَخْلُقُ الظُّلمَةَ وكُلَّ قَبِيحٍ. وجمع الظُّلُمَاتِ على القَوْلِ الأَوَّلِ والأَخِيرِ لكَثْرَةِ أَسبَابِهَا ومَحَالِّها، لأَنَّ ظِلَّ كُلِّ جِسْمٍ كَثِيفٍ ظُلْمَةٍ. وقَدَّمَ الظُّلُمَاتِ عَلَى النُّورِ لأَنَّ عَدَمَ المُحدَثَاتِ سَابِقٌ على وُجُودِهَا، والظُّلْمَةُ عَدَميَّة عند القَائِلِ أَنَّها عَدَمُ النُّورِ، أَو شَبِيهَةٌ بالعَدَمِ عند من يَقُولُ أَنَّها هَيْئَةٌ مُضَادَّةٌ للنُّورِ.
________________________________________
(١) البقرة: ٢٥٧.
(٢) فى «ع»: وإغوائهم.
(٣) الأنعام: ١.
![الطّراز الأوّل [ ج ٩ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4673_Taraz-Awwal-part09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
