ولم يَجْعَلْهُم مَطْرُوحِينَ على وَجْهِ الأَرضِ، طُعْمَةً للوُحُوشِ كسَائرِ الحَيوَانِ.
حَتّٰى زُرْتُمُ اَلْمَقٰابِرَ١ كِنَايةً عن المَوتِ، أَى أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ بالمَالِ والوَلَدِ حتَّى مُتُّم وقُبِرتُم مُضَيِّعِينَ أَعمَاركُم فى طَلَبِ الدُّنْيَا البَالِيَة٢، ولم تَلتَفِتُوا للآخِرَةِ البَاقيةِ.
ورُوِىَ: أَنَّ بَنِى عبدِ مَنَافٍ وبَنى سَهْمٍ تَفَاخَرُوا أَيَّهُم أَكثَرُ عَدَداً؟ فَكَثَرَهُم بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ، فَقَالَت بَنُو سَهْمٍ: إنَّ البغى أَفنَانَا فى الجَاهِلِيَّةِ فَعَادُّونَا بالأَحيَاءِ والأَموَاتِ، فَكَثَرَهُم بَنُو سَهْمٍ٣.
وعَلَيهِ فالمَعنَى: أَنَّكُم تَكَاثَرتُم بالأَحيَاءِ حتَّى إذا اسْتَوعَبتُم عَدَدهُم صِرتُم إلى المَقَابِرِ، فَتَكاثَرتُم بالأموَاتِ، عَبَّرَ عن بلُوغِهِم ذِكْر المَوْتَى بِزِيَارَةِ المَقَابِرِ تَهكُّماً بِهِم.
وقيلَ: كانُوا يَزُورُونَ المَقَابِرَ فَيقُولُون:
هذا قَبْرُ فُلانٍ، وهَذا قَبْرُ فُلانٍ يَفتَخِرُونَ بِذَلكَ.
وَ مٰا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ ٤أَى المَوْتَى المَقْبُورِينَ، شَبَّهَ الكُفَّارَ المُصِرِّينَ على الكُفْرِ فى عَدَمِ سَمَاعِ الإنْذَارِ بالأموَاتِ فى القُبُورِ؛ ونظيره:
إِنَّكَ لاٰ تُسْمِعُ اَلْمَوْتىٰ٥ يُرِيدُ أَنَّهُم فى حُكْمِ الأَموَاتِ.
الأثر
(لَاتَجْعَلُوا بُيُوتَكُم مَقَابِرَ)٦ لا تَجْعَلُوهَا كالمَقَابِرِ الَّتى لا يَجُوز الصَّلاة فِيهَا، أَو اجْعَلُوا بَعضَ صَلاتكُم فى بُيُو تِكُم ولا تَجْعَلُوها كالمَقَابِرِ الَّتى لا يُصَلَّى فيها، وهَذَا أَولَى لِقَولِهِ فى حَدِيثٍ آخَر: (اجْعَلُوا مِن صَلاتِكُمْ فِى بُيُوتِكُمْ ولا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً)٧.
________________________________________
(١) التّكاثر: ٢.
(٢) فى «ض»: الفانية.
(٣) انظر مجمع البيان ٥٣٤:٥، وتفسير أبى السعود ١٩٥:٩.
(٤) فاطر: ٢٢.
(٥) النّمل: ٨٠.
(٦) مسند أحمد ٢٨٤:٢، مشارق الأنوار ١٦٩:٢، النّهاية ٤:٤.
(٧) مسند أحمد ٦٥:٦، مشارق الأنوار ١٦٩:٢، النّهاية ٤:٤..
![الطّراز الأوّل [ ج ٩ ] الطّراز الأوّل](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4673_Taraz-Awwal-part09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
