الكفر المبيح (١) ..
وأجيب : بأن النفس وإن كانت متعلق حق الآدمي بالنظر إلى بعض الأحكام، فهي متعلق حق الله تعالى بالنظر إلى أحكام أخر، ولهذا يحرم عليه قتل نفسه والتصرف بما يفضي إلى تفويتها ، فالتقديم إنما هو المتعلق الحقين ، ولا امتناع في تقديم حق الله تعالى وحق الآدمي على حقه تعالى ، كيف وأن مقصود الدين متحقق بأصل شرعية القتل وقد تحقق ، والقتل بالفعل إنما هو لتحقق الوعيد به، والمقصود بالقصاص إنما هو التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك للوارث بشرع القتل دون القتل بالفعل على ما يشهد به العرف ، فكان الجمع بين الحقين أولى من تضييع أحدهما ، كيف وأن تقديم حق الآدمي هنا لا يفضي إلى تقويت حق الله تعالى فيما يتعلق بالعقوبة البدنية مطلقاً ، لبقاء العقوبة الأخروية، وتقديم حق الله تعالى مما يفضي إلى قوات حق الآدمي من العقوبة البدنية مطلقاً ، فكان لذلك أولى .
وتخفيف المسافر والمريض ليس تقديماً لمقصود النفس على مقصود أصل الدين ، بل على فروعه ، وفروع الشيء ليست كأصله ، على أن مشقة الركعتين في السفر تقوم مقام مشقة الأربع في الحضر ، وكذا صلاة المريض قاعداً بالنسبة إليه قائماً صحيحاً ، وأداء الصوم لا يفوت مطلقاً ، بل إلى خلف هو القضاء ، وكذا إنقاذ الغريق وترك الجمعة والجماعة ، وبقاء الذمي بين أظهر المسلمين معصوم الدم والمال لا لمصلحة المسلمين ، بل لإطلاعه على محاسن الشريعة وقواعد الدين ليسهل انجذابه ويتيسر استر شاده ، وذلك مصلحة دينية ، وكما أن مقصود الدين مقدم على غيره من مقاصد الضرورة، فكذا ما يتعلق به مقصود النفس يكون مقدما على غيره
(١) حكاه الأمدي في الإحكام ٤ - ٤٩٤ .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
