لأنا نقول : كل من البديهي والكسبي واجب الحصول ، فالأول عقيب تصوّر طرفيه ، والثاني عقيب حصول مقدمتيه ، وكما يزول النظري عند زوال بعض ما لابد في حصوله منها ، كذا الضروري يزول عند زوال أحد تصوراته التي يتوقف عليها ، فلابد في وجوب الجزم من حصول موجباته في البابين .
نعم ، النظري يتوقف على أمور أكثر مما يتوقف عليه الضروري ، فلاجرم كان زوال النظري أكثر من زوال الضروري ، أما في جانب الوجود والعدم فلا فرق بينهما في وجوب الوجود وامتناع العدم عند حصول كل ما لا بد منه ، فإذن لا فرق بين الضروري والنظري (١) .
وفيه نظر ؛ إذ الحكم بترجيح العلة المفردة في القياس على المركبة باعتبار قلة شرط وجود الأولى وكثرة شرط الثانية يناقض عدم الترجيح هنا .
أما إذا كان الطريق الدال على وجود العلة ظنياً فقد أطلق بعضهم القول فيه بقوة القياس المشتمل على مقدمات أقل منتجة لذلك الظن على ما اشتمل على مقدمات أكثر ؛ لأن قلة المقدمات يستلزم قلة احتمال الغلط ، وقلة احتمال الغلط يستلزم قوة ظن الصواب (٢) .
وهذا على عمومه ليس بحق : لقبول الظن الشدة والضعف ، فإذا كان ذو المقدمات القليلة مشتملاً على ظنّ ضعيف في كل مقدماته، وكان ذو المقدمات الكثيرة مشتملاً على ظن قوي في كل مقدماته ، حصل التعادل أو الترجيح للثاني على الأول ؛ إذ أحدهما أزيد في الكيفية والآخر في الكمية . إذا ثبت هذا فالدليل الظنّى الدال على وجود العلة إما أن يكون نصاً أو
(١) حكاه الرازي في المحصول ٥: ٤٤٩ - ٤٥٠ .
(٢) حكاه الرازي في المحصول ٥ ٤٥٠ .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
