وفيه نظر ؛ للفرق بين الكتابة المفتقرة إلى تقدم المعرفة بالصنعة ، وبين الإخبار الغني عن تقدم غيره ، وكذا فرق بين الاختيار والإخبار المتوقف على علم المطابقة .
الثاني : إنما يحسن القصد إلى فعل علم أو ظن كونه حسناً، فلابد وأن يتميز له الحسن عن القبيح قبل الإقدام على الفعل ، فإذا لم تتقدم هذه الأمارة المميزة كان التكليف باختيار الحسن دون القبيح تكليفاً بما لا يطاق .
لا يقال : المميز موجود وهو قوله : قد علمنا أنك لا تختار إلا الحسن .
لأنا نقول : هذا يقتضي أن العلم بالحسن بعد فعله ، وبعد الفعل يزول التكليف عنه ، فالدور لازم لوجوب تقدم المميز بين الحسن والقبيح على الاختيار ؛ وإلا لزم تكليف ما لا يطاق .
وقوله : "إنك لا تحكم إلا بالصواب " إنما يحصل معه التمييز بعد الفعل ، والمتقدم لا يجوز أن يكون هو المتأخر.
وفيه نظر ؛ لأن وجوب تقدم العلم أو الظن بالحسن على الفعل إنما يثبت على تقدير جواز وقوع القبيح ، أما على تقدير عدمه فلا ، والجواز هنا منتف .
الثالث : لو جاز أن يقول : أحكم فإنك لا تحكم إلا بالصواب، لجاز أن يكلفه تصديق النبي وتكذيب المتنبي عن غير دليل ، بل يفوضه إلى اختیاره، ولجاز أن يكلفه الإخبار بمهما شاء ؛ فإنه لا يخبر إلا عن حق ، ولجاز أن يصيب في مسائل الأصول من غير اجتهاد، ولجاز أن يفوض إليه تبليغ أحكام الله تعالى من غير وحي يدل عليه، وهو باطل
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
