سلمنا الأمر بالحكم الطريق ، لكن يجوز حصول طريق آخر مقابل ويكون أحدهما راجحاً ، وإنما يجب العمل بالراجح على من علم بالرجحان ، لا على من لا يعلم به ، لأن الأمارة الراجحة إنما يجب العمل بها على من اطلع عليها ، أما من لا يطلع عليها فإنه يجوز أن يكون مكلفاً بالأضعف ؛ إذ لا يستبعد عقلاً أن تكون مصلحة أحد المجتهدين العمل بأقوى الأمارات ومصلحة الآخر العلم بأضعفها .
فحينئذ يخلق الله تعالى في قلب من مصلحته العمل بالأقوى الخاطر بوجوه الترجيح ، ويشغل الآخر عنها فيظن أنها أقوى الأمارات ؛ لأن مصلحته العمل على أضعف الأمارات، والظن بأنها أقوى مع كونها في نفسها أضعف غير قبيح ، كما لا يقبح ظن كون زيد في الدار وليس فيها (١) .
والجواب : الدليل موجود، وهو الإجماع على وجود الترجيح بأمور حقيقية لا خيالية ، ووجود الترجيح يستدعي وجود أصل الدليل ، أعني القدر المشترك بين الدليل اليقيني والظاهر .
قوله : يجوز العمل بالأضعف إذا لم يعرف الأقوى .
قلنا : مقدار رجحان القوي على الضعيف إن لم يمكن الاطلاع عليه لم يكن معتبراً في حق المكلف ، وإلا لزم تكليف ما لا يطاق، فيكون القدر المعتبر بين الأمارتين في حق المكلف متساوياً لا راجحاً، وإن أمكن الاطلاع فإن وجب تحصيل العلم بتلك الأمارة إلى أقصى الإمكان كان من لم يصل إلى معرفتها إلى الأقصى تاركاً للواجب ، فيكون مخطئاً، وإن لم يجب فهو محال ؛ لأنه إن كان هناك حد متى لم يصل إليه لم يكن معذوراً، وإذا وصل
(١) المعترض : الرازي في المحصول ٦ : ٤٠ - ٤١ ، تاج الدين الأرموي في الحاصل ١٠١٢:٢ ، سراج الدين الأرموي في التحصيل ٢: ٢٩٢
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
