وعلى الثاني : بأنه الله قتلهم لجهلهم بالحق مع إصرارهم على ترك التعلم ، لا للجهل مطلقاً ، فلعله الله بالغ في إرشادهم ولم يلتفتوا إلى بيانه واشتغلوا باللهو والطرب . وأما من بالغ في الطلب والبحث فنمنع أنه الله قتله ، سلمنا قتله ، لكن نمنع عقابه .
وعلى الثالث : بأنه ذم الكافر، والكفر لغة الستر، وهو لا يتحقق إلا في المعاند الذي عرف الدليل ثم أنكره، أو المقلد الذي يعرف أنه لا يعرف الدليل على صحة الشيء ثم يقول به ، أما العاجز المتوقف الذي بالغ في الطلب ولم يصل فلا يكون ساتراً لما ظهر عنده فلا يكون كافراً .
ثم احتجا بأنه تعالى ملك رحيم كريم، واستقراء أحكام الشرع يدل على أن الغالب على الشرع التخفيف والمسامحة ، حتى لو احتاج إلى تعب في طلب الماء أسقط عنه فرض الوضوء، فكيف يليق بكرمه ورحمته معاقبة من أفنى طول عمره في البحث والفكر (١) ؟
وفي الأول نظر ؛ لأن المطلوب من المسائل الأصولية العلم ، فلو لم ينصب دليلاً عليه ويمكن منه لزم نسبته تعالى إلى القبيح وهو تكليف ما لا يطاق وهو محال ، وتمنع تعسر الوصول إلى العلم ، ونحن لا توجب في اللحظة الواحدة معرفة ما عجز الخلق عنه في المدة المتطاولة ، بل نوجب الفكر في الأدلة، وهي ظاهرة واضحة، ولا يشترط معرفة الأدلة على كل مسألة من فروع الأصول ، ولا الجواب عن الشبهات، والإجماع على العقاب ثابت ولا عبرة بنزاعهما في خرقه.
وفي الثاني نظر ؛ لأن قتله على بقاء الكفر فيستدعي العقاب ،
(١) حكاه الرازي في المحصول ٣٢٦ - ٣٣ ، الآمدي في الاحكام ٤ : ٤١٠ ، سراج الدين الأرموي في التحصيل ٢ : ٢٨٩ - ٢٩٠ .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
