الأول : لو كان متعبداً يشرع أحد لوجب أن يرجع في أحكام الحوادث النازلة إلى شرع المتبوع ولم يتوقف فيما لم يسبق إليه الوحي فيه على نزوله عليه ، لكنه لم يرجع في ذلك إلا إلى ما يوحى إليه ؛ وإلا لاشتهر ، ولأن عمر طالع ورقة من التوراة فغضب لله وقال : «ألم أت بها بيضاء نقية ؟ لو كان أخي موسى حياً لما وسعه إلا اتباعي (١) وهذا يدل على أنه لم يكن متعبداً بشرع أحد .
لا يقال : نمنع الملازمة ؛ لاحتمال أن يكون غير متعبد في تلك الصورة بشرع من قبله فتوقف فيها إلى نزول الوحي عليه ، أو أنه علم خلق شرعهم عن حكم تلك الواقعة فانتظر الوحي ، أو لأن أحكام تلك الشرائع إن كانت منقولة بالتواتر لم يحتج في معرفتها إلى الرجوع إليهم وإلى كتبهم ، وإن كانت منقولة بالأحاد لم يجز قبولها ؛ لأن أولئك الرواة كفار فلا تقبل روايتهم ، سلمنا الملازمة ، لكن قد ثبت رجوعه إلى التوراة في الرجم لما احتكم إليه اليهود (٢).
لأنا نقول : لما لم يرجع في شيء من الوقائع إليهم علم أنه غير متعبد في شيء منها بشرع من قبله ، والعلم بخلو كتبهم عن تلك الوقائع لا يحصل إلا بالطلب الشديد والبحث الكثير ، فكان يجب أن يقع منه ذلك الطلب والبحث، وكون الدليل متواتراً لا يمنع من النظر فيه ؛ لجواز تواتر
(١) معاني الأخبار للشيخ الصدوق : ٢٨٢ ، باب معنى المحافلة والمزابنة والعرايا والمخابرة والمخاطرة و .... المصنف لابن أبي شيبة ٩ ٤٧٢٫٤٧ ، كتاب الأدب ، باب من كره النظر في كتب أهل الكتاب ، مسند أحمد ٣: ٣٨٧ ، ورد مؤداه .
(٢) الموطأ لمالك ٢: ١٫٨١٩ ، كتاب الحدود، باب ما جاء في الرجم ، صحيح مسلم ٣: ١٦٩٩٫١٣٦٦ ، سنن أبي داؤد ٤ : ٤٤٤٦٫١٥٣ ، كتاب الحدود ، باب في رجم اليهوديين .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
