لا يقال : ما ذكرتموه فرع تصوّر وجود المناسب المرسل وهو غير منصور ؛ لأنا أجمعنا على أن هناك مصالح معتبرة في نظر الشرع في بعض الأحكام، وأي وصف قدر من الأوصاف المصلحية فهو من جنس ما اعتبر ، فكان من قبيل الملائم الذي أثر جنسه في جنس الحكم وقد قلتم به .
لأنا نقول : كما أنه من جنس المصالح المعتبرة فهو من جنس المصالح الملغاة، فإن لزم من كونه من جنس المعتبر اعتباره لزم من كونه من جنس الملغى إلغاؤه ، فيكون معتبراً ملغى بالنظر إلى حكم واحد وهو محال ، فإذن لابد من كونه معتبراً بالجنس القريب منه لتأمن إلغاءه فيما إذا لم يكن كذلك .
واحتج مالك : بأن كل حكم يفرض فإما أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة، أو مفسدة خالية عن المصلحة ، أو يكون خالياً عن المصلحة والمفسدة بالكلية ، أو يكون مشتملاً عليهما معاً ، وهذا على ثلاثة أقسام : أن
تكونا متساويتين، أو تكون المصلحة راجحة ، أو المفسدة ، فالأقسام ستة : الأول : أن يستلزم مصلحة خالية عن المفسدة، وهذا يجب في الحكمة أن يكون مشروعاً ؛ لأن المقصود من الشرائع رعاية المصالح ..
الثاني : أن يستلزم مصلحة راجحة، وهذا لابد وأن يكون أيضاً مشروعاً ؛ لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير .
الثالث : أن تتساويا ، وهذا يكون عبئاً فوجب أن لا يشرع .
الرابع : أن يخلو عن الأمرين، وهو أيضاً عبث فلا يكون مشروعاً . الخامس : أن يكون مفسدة خالصة ، ويمتنع أن يكون مشروعاً قطعاً . السادس : أن تكون المفسدة راجحة، وهو أيضاً غير مشروع ؛ لأن المفسدة الراجحة واجبة الدفع بالضرورة .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
