وهذه الأحكام المذكورة في هذه الأقسام السنة كالمعلوم بالضرورة أنها من دين الأنبياء، وهي المقصود من وضع الشرائع ، والكتاب والسنة دالان على أن الأمر كذلك ، تارة بالتصريح وتارة بموافقة الأحكام لما قلناه .
غاية ما في الباب أنا نجد بعض الوقائع داخلاً تحت قسم من هذه الأقسام ولا يوجد له في الشرع ما يشهد له بحسب جنسه القريب، لكن لابد وأن يشهد الشرع بحسب جنسه البعيد ، وهو كونه خالص مصلحة أو مفسدة أو غالب مصلحة أو مفسدة ، وظهر أنه لا توجد مناسبة إلا ولها في الشرع ما يشهد لها بالاعتبار ، إما بحسب جنسها القريب أو البعيد، فيجب القطع بكونه حجة ؛ لأنا إذا علمنا اعتبار المصلحة الغالبة على المفسدة شرعاً ثم طننا غلبة مصلحة هذا الحكم على مفسدته حصل ظن اعتبار هذه المصلحة شرعاً، والعمل بالظن واجب : لقوله الله أنا أقضى بالظاهر (١) ؛ ولأن ترجيح الراجح من مقتضيات العقول ؛ ولقوله تعالى : (فَاعْتَبِرُوا (٢)) وهو يتناول المتنازع ؛ لأن الاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعاً مجاوزة ؛ ولأن الصحابة لم يعتبروا الشرائط التي اعتبرها المتأخرون في الأصل والفرع والعلة ، بل كانوا يعبرون المصالح لعلمهم بأن القصد من الشرائع رعاية مطلق المصلحة (٣) .
(١) تقدم تخريجه في ص : ٢٠٨ .
(٢) الحشر ٢:٥٩.
(٣) حكى هذه الاحتجاجات : الرازي في المحصول ٦ : ١٦٥ ، تاج الدين الأرموي في الحاصل ٢: ١٠٧٠ ، سراج الدين الأرموي في التحصيل ٢ : ٣٣٣ .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
