فإن قلت : قد قال محمد بن الحسن الشيباني في عدة مواضع من كتبه : تركنا الاستحسان للقياس، كما لو قرأ آية السجدة (١) في آخر السورة ، فالقياس يقتضي الاجتزاء بالركوع ، والاستحسان يقتضي عدمه ، بل يسجد لها ، ثم إنه قال بالقياس ، فهذا الاستحسان إن كان أقوى من القياس فكيف تركه ؟ وإن لم يكن أقوى بطل الحد .
قلنا : ذلك المتروك إنما يسمى استحساناً ؛ لأنه وإن كان الاستحسان وحده أقوى من القياس وحده لكن اتصل بالقياس شيء آخر صار المجموع أقوى من الاستحسان، كما في هذه المسألة، فإنه تعالى : أقام الركوع مقام السجود في قوله تعالى : ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَ أَنَابَ ) (٢) (٣) .
وهذا الحد يقتضي كون الشريعة بأسرها استحساناً ؛ لأن مقتضى العقل هو البراءة الأصلية ، وإنما يترك ذلك لدليل أقوى منه وهو نص أو إجماع أو قياس ، وهذا الأقوى في حكم الطاري على الأول فيكون الكل استحساناً وهم لا يقولون بذلك ؛ لأنهم يقولون : تركنا القياس للاستحسان ، وهو يقتضي المغايرة بينهما ، فالواجب أن يزاد في الحد قيد آخر فيقال : ترك وجه من وجوه الاجتهاد مغاير للبراءة الأصلية والعمومات اللفظية لوجه أقوى منه ، وهو في حكم الطارئ على الأول .
(١) سورة النجم ٥٣ : ٦٢ .
(٢) سورة ص ٣٨ ٢٤
(٣) حكي في المحصول ٦ : ١٢٥ - ١٢٦ ، في الحاصل ٢ : ١٠٤٨ ، في التحصيل ٢ :
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
