العقليات دون الشرعيات (١).
لنا : أن النافي مدع كالمثبت ، فإن كان ما ادعاه نفي علمه أو نفي ظنه لم يطالب بدليل : لأنه جاهل والجاهل لإيطالب بالدليل على جهله ولا يلزمه ذلك ، كما لا يطالب على دعواه عدم الألم والجوع . وإن كان العلم بنفي أمر فإن كان ضرورياً لم يطالب بيرهان ؛ لأنه إن كان صادقاً في دعوى الضرورة فالضروري لا يطالب بالدليل عليه ، وإن لم يكن صادقاً لم يطالب بالدليل أيضاً ويكفي المنع في انقطاعه ؛ حيث إنه لا يقدر على تحقيق الضرورة في ذلك والنظر لا يدعيه . وإن ادعى العلم بنفيه لا بالضرورة فلا بد له من طريق يفضي إليه ؛ إذ حصول علم غير ضروري من غير طريق مفض إليه محال ، وإذا وجب أن يكون عن طريق وجب عند الدعوى والمطالبة بدليلها ذكره لينظر فيه ، كما يجب على مدعي الإثبات .
وبالجملة فإن الممكن متساوي الطرفين فلا يجوز الحكم بأحدهما إلا المرجح هو الدليل ، ولا فرق بين طرفيه في ذلك بالضرورة، وقد وقع الإجماع على وجوب إقامة الدليل على مدعي الوحدانية وقدم الله تعالى ، مع أن حاصل دعوى الوحدانية نفي الشريك، وحاصل دعوى القدم نفي الحدوث والأولية ، وقد نبه الله تعالى في قوله : لَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا ) (٢) على ذكر دليل على النفي ، ولو لم يطالب النافي بالدليل لزم أن يدعى كافر نفي النبوات ونفي الصانع ولا يطلب منه الدليل ، وهو باطل إجماعاً .
(١) حكاه الغزالي في المستصفى ٢ ٤٢١ ، ابن الحاجب في منتهى الوصول : ٢١٨ .
الأمدي في الإحكام ٤٤٢:٤ .
(٢) سورة الأنبياء ٢١ : ٢٢ .
![نهاية الوصول إلى علم الأصول [ ج ٦ ] نهاية الوصول إلى علم الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4664_Nahayah-Wosoul-part06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
