تحقّق العدم محال ، فإنّ رفع النقيض حال تحقّق النقيض محال.
قلت : الأمر الحقيقي هو جعل ما يمكن أن يكون داعيا ، والأمر بالأهمّ حال عصيانه على إمكانه الذاتيّ والوقوعيّ ، وإن كان الدعوة بعد تحقّق النقيض ممتنعة ، إلّا أنّه امتناع بالغير ؛ والإمكان الذاتيّ والوقوعيّ لا ينافي الامتناع الغيريّ ، وإلّا لم يمكن ممكن أبدا ، إذ الماهيّة تكون حال وجودها واجبة بالغير وحال عدمها بعدم العلّة ممتنعة بالغير : فمتى تكون ممكنة ذاتا ووقوعا (١).
لا يقال : إنّ العصيان أمر عدميّ وليس فيه مناط التأخّر الرتبيّ عن الأمر بالأهمّ لاختصاص المناطات بالامور الوجوديّة ، إذ العليّة والمعلوليّة أو كون الشيء جزءا للعلّة أو جزءا للماهيّة أو شرطا لفاعليّة الفاعل أو شرطا لقابليّة القابل كلّها مختصّة بالامور الوجوديّة ، ولو كان الوجود وجودا ذهنيّا. والعصيان ليس إلّا ترك الامتثال بلا عذر ، فلا يحتاج إلى شيء من المناطات المذكورة ؛ وعليه فتأخّره عن الأمر بالأهمّ لا مناط له. هذا بخلاف الإطاعة فإنّه انبعاث وأمر وجوديّ يحتاج إلى علّة ، وهي البعث ، ومن المعلوم أنّ المعلول متأخّر عن علّته وهي الأمر بالأهمّ ، والعصيان وإن كان مقابلا للإطاعة إلّا أنّه ليس فيه مناط التأخّر.
وهكذا لا يمكن أن يتّصف العصيان بإحدى الحيثيّات الوجوديّة كالتقدّم بالنسبة إلى الأمر بالمهمّ والتأخّر بالنسبة إلى الأمر بالأهمّ ، وكونه موضوعا لحكم أو شرطا لشيء أو مانعا عنه وغير ذلك كلّها من جهة أنّ العصيان ليس إلّا أمرا عدميّا لأنّه ترك المأمور به بلا عذر (٢).
لأنّا نقول : أوّلا إنّ مفهوم العصيان متقدّم بتقدّم أمر عليه ، لأنّ العصيان هو ترك
__________________
(١) نهاية الدراية : ج ٢ ص ٤٦ ـ ٤٨.
(٢) راجع مناهج الوصول : ج ٢ ص ٤٦ ـ ٤٩.
![عمدة الأصول [ ج ٣ ] عمدة الأصول](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4474_umdat-alusul-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
