الثاني : أن يفرض أن جواز الإتلاف يرجع بحسب الحقيقة إلى ضيق دائرة ملكية المالك ، لوجود القصور في أصل مقتضي السلطنة ، أي أن المالكية من أوّل الأمر مختصة ببعض حيثيات التصرّف في المال ، من قبيل من يشتري عبداً جانياً تعلّق به حق الجنابة ، فأصبح ملكاً له ، فإن أخذ المجني عليه حقّه من الجاني لا يعدّ ضرراً على المشتري ، لأن ملكيته من أوّل الأمر لهذا العبد كانت بهذا النحو لا أكثر من ذلك.
بعد أن عرفنا الفرق بين هذين الفرضين نقول : إنّ مرجع وجوب الردّ أو جواز الإبقاء بحسب الحقيقة ، إنما هو تضييق لدائرة السلطنة ، بمعنى أن الارتكاز العقلائي يقتضي أن لكل إنسان سلطنة على ماله ، إلّا أنه في المقام لا يمكن فرض سلطنة مطلقة للمالك في منفعة أرضه واستردادها من المستأجر ، وسلطنة مطلقة للمستأجر على حفظ زرعه ولو من خلال إبقائه في أرض الغير. مثل هاتين السلطنتين لا يمكن جعلهما معاً في عرض واحد. من هنا لا بدّ من فرض ضيق في إحدى السلطنتين أو كلتيهما. إما أن نقول بثبوت حق مالك الأرض بنحو يستبطن سلطنة مطلقة على أرضه ومنافعها ولو تلك الحصة الملازمة لإتلاف مال الغير ، وهذا لازمه أنه لا سلطنة لصاحب الزرع على حفظ زرعه إذا طالب المالك بردّ الأرض ، فيكون من قبيل شراء العبد المشغول ذمّته بحق للمجني عليه ؛ حيث إنه زرع في أرض مستأجرة من الغير ، فمن أوّل الأمر ملك زرعاً في أرض مبتلاة يحق الإتلاف من قبل مالكها. في مثل ذلك لا يكون وجوب الردّ ضرريّاً ، لأن ضررية وجوب الرد كما بيّنا مراراً ليست تكوينية كقطع اليد مثلاً ، وإنّما هي من الإضرار الاعتبارية بلحاظ الارتكازات العقلائية والتشريعية الثابتة في الرتبة السابقة. فإذا لم يثبت
