فصل :
وممّا يسأل عنه أن يقال : هل القاتل يخلد في النّار ، أم له توبة؟
والجواب : أنّ العلماء اختلفوا في ذلك :
فقال الضّحّاك وجماعة من التّابعين : نزلت هذه الآية في رجل قتل رجلا من المسلمين ، فارتدّ عن الإسلام ، وسار إلى المشركين ، ونزلت هذه الآية (١) فيه ، والتّغليظ فيها لارتداده عن الإسلام. وقال جماعة من التّابعين (٢) : الآية الهينة (٣) وهي : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) [النساء : ٤٨] نزلت بعد الشّديدة وهي : (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً) [النساء : ٩٣] ، وذهبوا إلى أنّ للقاتل توبة.
وقال عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم : كنّا نبتّ الشّهادة فيمن عمل الموجبات حتى نزلت : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ)(٤).
وقال أبو مجلز (٥) : هي جزاؤه إن جازاه أدخله جهنم خالدا فيها ، ويروى هذا أيضا عن أبي صالح.
وروي عن مجاهد أنّه قال : المعنى إلّا من تاب وندم على ما فعل (٦). وروي عن ابن عباس وزيد بن ثابت (٧) ، وجماعة من التّابعين رضي الله عنهم أنهم قالوا : الآية ثابتة في الوعيد ؛ لأن الله تعالى غلّظ فيه (٨).
وكرّر الوصف بقوله : (وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) [النساء : ٩٣]. ٢٥ / و.
وقال عكرمة وابن جريج وبعض المتكلمين : المعنى ومن يقتل مؤمنا متعمدا ، أي :
__________________
(١) نزلت في قيس بن صبابة الكناني. أسباب نزول الآيات : ١١٤ ، ولباب النقول في أسباب النزول : ٦٦.
(٢) منهم : محمد بن سيرين ، وأبو إسحاق. ينظر الدّر المنثور : ٢ / ١٩٧ ـ ١٩٨. وينظر في هذه المسألة : معاني القرآن للنحاس : ٢ / ١٦٣ ، ونواسخ القرآن : ١٣٧ ، الدر المنشور : ٢ / ١٩٦.
(٣) في الأصل : اللينة ، وهو وجه ، وما أثبتناه من تفسير القرآن للصنعاني : ١ / ١٦٨ ، وجامع البيان : ٥ / ٢٩٩.
(٤) ينظر المعجم الكبير : ٢ / ٢٨١.
(٥) هو لاحق بن حميد السدوسي التابعي (ت ١٠٦ ه). ينظر الطبقات الكبرى : ٧ / ٢١٦ ، ومشاهير علماء الأمصار : ١٤٧ ، وتهذيب التهذيب : ١١ / ١٥١. وينظر قوله في جامع البيان : ٥ / ٢٩٢ ، ومجمع البيان : ٣ / ١٦٠.
(٦) ينظر تفسير مجاهد : ١ / ١٩٤ ، والدر المنثور : ٢ / ١٩٨.
(٧) صحابي جليل (ت ٤٣ ه ، وقيل : ٥١ ه). ينظر أسد الغابة : ٢ / ٢٢١ ـ ٢٢٢.
(٨) ينظر الجامع لأحكام القرآن : ٥ / ٣٣٣.
