المبحث الثالث
تفرده بوجوه إعرابية لبعض المسائل النّحوية
لقد جاءت آراء المجاشعي المستقلة في كتابه (النكت في القرآن) على صورتين ، هما :
أولا : اقترانها بإشارة منه ، نحو : أمّا أنا فأرى ، وهو غير صحيح ، وليس الأمر عندي كذلك ، وهذا ليس بشيء ، والوجه عندي ، ... (١).
ثانيا : آراء جاءت عرضا في المباحث النحوية واللغوية. منها آراء لم يقف عليها العلماء طويلا ، فجاءت عند المجاشعي أكثر توضيحا وتفصيلا. وسأعرض لهاتين الصورتين بعض الأمثلة التطبيقية ، نبين من خلالها ما للمجاشعي من قدرة عالية في الاجتهاد النحوي واللغوي.
في قوله تعالى : (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) [البقرة : ٣٠] ، اختلف العلماء في ألف (أَتَجْعَلُ ،) فقال أبو عبيده والزجاج : هي ألف إيجاب ، واستدلوا بقول جرير :
|
ألستم خير من ركب المطايا |
|
وأندى العالمين بطون راح |
وقالوا : هذا إيجاب وليس باستفهام.
قال المجاشعي : " وهذا القول غير مرضي ، وإنما غلط من قال هذا من قبل أن الله تعالى قال : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فلا يجوز أن يشكّوا فيما أخبرهم الله تعالى ، فيستفهموا عنه ، فلهذا منعوا أن يكون استفهاما. وليس يوجب الاستفهام الشك في أنه سيجعل ، وإنّما يوجب الشك في أنّ حالهم يكون مع الجعل ، وترك الجعل في الاستقامة والصلاح سواء.
وأصل الألف للاستفهام ، قال علي بن عيسى ، قال بعض أهل العلم : هو استفهام ، كأنهم قالوا : أتجعل فيها من يفسد ، وهذه حالنا في التسبيح والتقديس ، أم الأمر بخلاف ذلك ، فجاء الجواب على طريق التعريض من غير تصريح في قوله : (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ،) وهذا الاختيار ؛ لأنّ أصل الألف للاستفهام .. سمعت أبا محمد مكي بن أبي طالب ـ بعض شيوخنا ـ يقول : الاستفهام فيه معنى الإنكار ، ولا يجب أن تحمل الألف ، وكان يسميها ألف التعجب ؛ كأن الملائكة تعجبت من ذلك. وأما أنا فأرى أنها ألف استرشاد ، كأن الملائكة
__________________
(١) ينظر مثلا : ٣٨ ، و ٢٨٠ ، و ٣٥٥ ...
