ويروى (١) عن ابن عباس وابن مسعود ـ رضي الله عنهما ـ أنّ آدم عليهالسلام يكون خليفة لله تعالى ؛ يحكم بالحق في أرضه ، إلّا أنّ الله تعالى أعلم الملائكة أن يكون من ذريته من يسفك الدّماء ويفسد في الأرض.
ويسأل عن الألف من قوله : (أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها) [البقرة : ٣٠]؟
وقد اختلف فيها ؛ فقال أبو عبيدة (٢) والزجاج (٣) : هي ألف إيجاب كما قال جرير (٤) :
|
ألستم خير من ركب المطايا |
|
وأندى العالمين بطون راح |
هذا إيجاب وليس باستفهام ، وهذا القول غير مرضي ، وإنما غلط من قال هذا من قبل أنّ الله تعالى قال : (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة : ٣٠] فلا يجوز أن يشكّوا فيما أخبرهم الله تعالى فيستفهموا منه ، فلهذا منعوا أن يكون استفهاما. وليس يوجب الاستفهام الشّكّ في أنّه سيجعل ، وإنّما يوجب الشّكّ في أنّ حالهم يكون مع الجعل ، وترك الجعل في الاستقامة والصّلاح سواء (٥).
وأصل الألف للاستفهام ، قال علي بن عيسى (٦) قال بعض أهل العلم : هو استفهام (٧) ، كأنّهم قالوا أتجعل فيها من يفسد. وهذه حالنا في التّسبيح والتّقديس ، أم الأمر بخلاف ذلك ، فجاء الجواب على طريق التّعريض من غير تصريح في قوله : (إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ) [البقرة : ٣٠] ، قال : وهذا الاختيار ؛ لأنّ أصل الألف للاستفهام ، فلا يعدل بها عنه إلا أن لا يصح التأويل عليه. سمعت أبا محمد مكي بن أبي طالب (٨) ـ بعض شيوخنا ـ يقول : الاستفهام فيه معنى الإنكار ، ولا يجب أن تحمل الألف عليه ، وكان
__________________
(١) ينظر النكت والعيون : ١ / ٥٦ ، والتفسير الكبير : ٢ / ١٨١ ، والبحر المحيط : ١ / ١٤٠.
(٢) ينظر مجاز القرآن : ١ / ٣٥.
(٣) معاني القرآن وإعرابه : ١ / ١٠٢ ، ومعاني الحروف : ٣٣.
(٤) ديوانه : ٩٨ ، وهو جرير بن عطية بن حذيفة الخطفي. طبقات فحول الشعراء : ٢ / ٣٧٤ ، والشعر والشعراء : ٣٠٩. وينظر مجاز القرآن : ١ / ٣٥ ، ومعاني القرآن للزجاج : ١ / ١٠٢.
(٥) ينظر جامع البيان : ١ / ١٦٥.
(٦) هو الرماني (ت ٣٨٤ ه) ينظر ترجمته في : البلغة : ١٥٩. وينظر معاني القرآن وإعرابه : ١ / ١٠٢.
(٧) ينظر معاني القرآن للأخفش : ١ / ٥٦ ، والمفردات : ٣٤.
(٨) القيسي المقرئ (ت ٤٣٧ ه). ينظر نزهة الألباء : ٢٥٤ ، وطبقات القراء : ٢ / ٣٠٩.
