البعوضة تحيا ما جاعت فإذا شبعت وسمنت ماتت ، فكذلك القوم الّذين ضرب الله لهم هذا المثل في القرآن إذا امتلأوا من الدّنيا أخذهم الله عند ذلك (١) ثم تلا : (حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ) [الأنعام : ٤٤].
والقول الثاني : يروى عن الحسن وقتادة وغيرهما من أهل العلم أنّه لمّا ضرب الله المثل بالذّباب والعنكبوت تكلّم قوم من المشركين في ذلك وعابوا ذكره ، فأنزل الله تعالى هذه الآية (٢).
وذهب بعض أهل العلم (٣) إلى أنّ الاختيار التّأويل الأول من قبل أنّه متصل بذكر المثلين الّلذين ضربهما الله للمنافقين في سورة البقرة ، فكان لذلك أولى من أن يكون جوابا لما ذكر في سورة غيرها ؛ إذ كان ذكر الذّباب في سورة الحج (٤) وذكر العنكبوت في سورة العنكبوت (٥) ، والأظهر في هذا أن يكون جوابا لما قيل في الذّباب والعنكبوت لما فيهما من الاحتقار والضّالة ، فأخبر الله تعالى أنّه لا عيب في ذلك.
فصل :
للعرب في يستحي لغتان : منهم من يقول : (يستحي) بياء واحدة ، وبذلك قرأ ابن كثير (٦) في رواية شبل (٧) ، ومنهم من يقول : (يستحيي) بياءين ، وبه قرأ الباقون (٨) ، فوجه هذه القراءة : أنه الأصل. ووجه القراءة الأخرى : أنّه حذف استثقالا لاجتماع الياءين ؛ كما قالوا : لم أك ، ولم أدر وما أشبه ذلك ، والاختيار في القراءة إثبات الياءين ؛ لأنه إذا اعتل لام
__________________
(١) ينظر جامع البيان : ١ / ١٣٨ ، والبحر المحيط : ١ / ١٩٤.
(٢) ينظر بحر العلوم : ١ / ١٠٤ ، والمدخل للحدادي : ٤٢٣ ـ ٤٢٤.
(٣) ينظر النكت والعيون : ١ / ٨٨.
(٤) إشارة إلى قوله تعالى : (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) [الحج : ٧٣].
(٥) إشارة إلى قوله تعالى : (وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) [العنكبوت : ٤١].
(٦) ينظر معاني القرآن للأخفش : ١ / ٥٢ ، ومعاني القرآن للفراء : ١ / ٢٢ ، ومختصر في شواذ القراءات : ٤. وابن كثير هو : أبو معبد ، عبد الله بن كثير الداري ، أحد القراء السبعة (ت ١٢٠ ه). ينظر الفهرست : ٤٢ ، وطبقات القراء الكبار : ١ / ٨٦.
(٧) هو شبل بن عباد المكي (ت نحو ١٤٨ ه). ينظر معرفة القراء الكبار : ١ / ١٢٩ وغاية النهاية : ٢ / ٤٥.
(٨) ينظر معاني القرآن للأخفش : ١ / ٥٢ ، وإعراب القرآن للنحاس : ١ / ٢٠٢.
