(قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) (٣٢)
(وَكُلُوا) من اللحم والدسم (وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) بالشروع في الحرام ، أو في مجاوزة الشبع (إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) وعن ابن عباس رضي الله عنهما : كل ما شئت واشرب ما شئت والبس ما شئت ما اخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. وكان للرشيد (١) طبيب حاذق فقال لعليّ بن الحسين بن واقد (٢) : ليس في كتابكم من علم الطبّ شيء ، والعلم علمان ، علم الأبدان وعلم الأديان ، فقال له عليّ : قد جمع الله الطبّ كلّه في نصف آية من كتابه وهو قوله (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) ، فقال النصراني : ولم يرو عن رسولكم شيء في الطبّ ، فقال : فقد جمع رسولنا الطبّ في ألفاظ يسيرة وهي قوله عليهالسلام : (المعدة بيت الداء والحمية رأس كلّ دواء وأعط كلّ بدن ما عوّدته) (٣) فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيّكم لجالينوس طبّا.
ثم استفهم إنكارا على محرّم الحلال بقوله :
٣٢ ـ (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ) من الثياب وكلّ ما يتجمّل به (الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ) أي أصلها يعني القطن من الأرض والقزّ من الدود (وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ) والمستلذّات من المآكل والمشارب ، وقيل كانوا إذا أحرموا حرّموا الشاة وما يخرج منها من لحمها وشحمها ولبنها (قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) غير خالصة لهم ، لأنّ المشركين شركاؤهم فيها (خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ) لا يشركهم فيها أحد ، ولم يقل للذين آمنوا ولغيرهم لينبه على أنها خلقت للذين آمنوا على طريق الأصالة والكفار تبع لهم. خالصة بالرفع نافع ، فهي مبتدأ خبره للذين آمنوا ، وفي الحياة الدنيا ظرف للخبر ، أو خالصة خبر ثان أو خبر مبتدأ محذوف أي هي خالصة ، وغيره نصبها على الحال من الضمير الذي في الظرف الذي هو الخبر ، أي هي ثابتة للذين آمنوا في الحياة الدنيا في حال خلوصها يوم القيامة (كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ) نميّز الحلال من الحرام (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) أنه لا شريك له.
__________________
(١) الرشيد ، هو الخليفة العباسي هارون الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور دامت ولايته ٢٣ عاما ، ولد عام ١٤٩ وتوفي عام ١٩٣ ه (الأعلام ٨ / ٦٢).
(٢) سبق ترجمته في ٤ / ١٧١.
(٣) هو من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب (أسنى المطالب ص ٣٢٥).
![تفسير النسفي [ ج ٢ ] تفسير النسفي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4164_tafsir-alnasafi-madarik-altanzil-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
